التقشف في العراق: الذكاء الاصطناعي لخفض كلفة النفط والغاز

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراقBy 3L3C

إجراءات التقشف بالعراق ترفع الضغط على قطاع الطاقة. تعرّف كيف يقلل الذكاء الاصطناعي الهدر ويزيد التحصيل ويخفض كلف النفط والغاز بخطة واقعية.

تقشف العراقالذكاء الاصطناعيالنفط والغازالكهرباءالتحول الرقميكفاءة التشغيل
Share:

Featured image for التقشف في العراق: الذكاء الاصطناعي لخفض كلفة النفط والغاز

التقشف في العراق: الذكاء الاصطناعي لخفض كلفة النفط والغاز

قرار الحكومة العراقية في 17/12/2025 بالموافقة على حزمة إجراءات تقشفية ليس خبراً مالياً عابراً. هو رسالة واضحة: السنوات القادمة ستُدار بعقلية “كل دينار محسوب”، مع ضغط متزايد على الوزارات والهيئات لتحسين الإيرادات وتقليل الهدر. وحين يكون قطاع الطاقة والنفط والغاز هو المحرك الاقتصادي الأكبر، تصبح كفاءة هذا القطاع قضية سيادية، لا خياراً إدارياً.

المثير هنا أن إجراءات التقشف نفسها فتحت الباب، من دون أن تقول ذلك صراحة، أمام حل عملي: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة. لأن تقليل الإنفاق لا يعني بالضرورة تجميد التطوير؛ أحياناً يعني الاستثمار في ما يوقف النزف: خسائر فنية، توقفات غير مخططة، سرقات، وفواتير غير مُحصّلة. وهذا بالضبط ملعب الذكاء الاصطناعي.

عبارة واحدة تلخّص المشهد: التقشف يكره الهدر… والذكاء الاصطناعي صُمّم لاصطياد الهدر.

ماذا تعني إجراءات التقشف لقطاع الطاقة عملياً؟

الجواب المباشر: تعني أن كل عملية تشغيلية ستُسأل عن كلفتها وعائدها، وأن المشاريع الجديدة ستخضع لرقابة أكبر، وأن الدولة ستبحث بجدية عن مصادر دخل غير نفطية وتحسين الجباية.

حزمة القرارات الحكومية تضمّنت مراجعة الرواتب والمخصصات، تقليص نفقات السفر، خفض كلف الإشراف على المشاريع الجديدة، وإجراءات لتعزيز الإيرادات مثل تحسين جباية الكهرباء، وتوسيع الأتمتة والمدفوعات الإلكترونية في الخدمات الحكومية. هذه النقاط بالذات تصبّ في جوهر ما يحتاجه قطاع الطاقة اليوم:

  • الشفافية التشغيلية: أين تُصرف الأموال؟ ولماذا تتكرر نفس الأعطال؟
  • تحديد الأولويات: أي مشروع يعطي عائداً سريعاً ويقلل الهدر؟
  • رفع التحصيل: خصوصاً في الكهرباء، حيث جزء كبير من المشكلة ليس في الإنتاج فقط، بل في الفوترة والتحصيل والخسائر غير الفنية.

من خبرتي في مشاريع التحول الرقمي، التقشف غالباً ينجح عندما يرافقه “ذكاء تنفيذي”: بيانات موحّدة، قياس أداء لحظي، وقرارات مبنية على أدلة. هذا ما يقدمه الذكاء الاصطناعي عندما يُطبَّق صح.

الذكاء الاصطناعي كخطة تقشف ذكية: أين يعطي أكبر عائد؟

الجواب المباشر: أكبر عائد يظهر في ثلاث ساحات: تقليل التوقفات، رفع كفاءة الطاقة، ومنع الهدر والاحتيال.

1) الصيانة التنبؤية: تقليل التوقفات غير المخططة

في النفط والغاز، يوم توقف واحد في منشأة حساسة قد يكلف أكثر مما يكلف مشروع رقمي كامل. الذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة بيانات الاهتزاز والحرارة والضغط وتيار الكهرباء من المضخات والضواغط والتوربينات، ثم يحدد “نمط فشل” قبل أن يتحول لعطل.

النتيجة العملية:

  • تقليل التوقفات غير المخططة
  • جدولة الصيانة حسب حالة المعدة (condition-based maintenance) بدل الجداول الثابتة
  • خفض قطع الغيار الطارئة وتكاليف الشحن المستعجل

إذا كان التقشف يضغط لتقليل الإنفاق، فإن الصيانة التنبؤية تُحوّل الإنفاق من “إطفاء حرائق” إلى “منع الحرائق”. الفرق في الميزانية واضح خلال 6–12 شهراً في كثير من الحالات.

2) تحسين الإنتاج وإدارة المكامن (Upstream)

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يزيد الإنتاج القابل للاستخراج ويقلل الماء والغاز غير المرغوب فيه عندما يُستخدم لتحسين قرارات التشغيل.

بدلاً من الاعتماد على قراءات متفرقة وتقديرات بشرية، يمكن للنماذج أن تقترح:

  • أفضل إعدادات الخنق والإنتاج لكل بئر
  • توقيت حقن الماء أو الغاز بشكل أدق
  • كشف مبكر لمشاكل مثل water breakthrough أو انخفاض الضغط غير الطبيعي

الأهم: الذكاء الاصطناعي لا “يستبدل” مهندس المكمن؛ هو يرفع سرعته ودقته ويمنحه تحذيرات مبكرة. وفي مرحلة التقشف، السرعة هنا ليست رفاهية.

3) خفض الحرق وتحسين الكفاءة الطاقية (Flare & Energy Efficiency)

الجواب المباشر: مراقبة الحرق وتحسين استهلاك الطاقة الداخلية هما “ذهب مخفي” في كثير من العمليات.

نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على:

  • التنبؤ بارتفاعات الحرق قبل حدوثها بناءً على تغيّرات التشغيل
  • اقتراح تعديلات تشغيلية لتثبيت الضغوط وتقليل الفاقد
  • تحسين تشغيل المضخات والضواغط لتقليل استهلاك الكهرباء والوقود

وفي سياق قرار الحكومة بتحسين جباية الكهرباء ومراجعة التعرفة، فإن أي خفض للاستهلاك الداخلي في المنشآت ينعكس مباشرة على الضغط على الشبكة والكلفة التشغيلية.

أتمتة التحصيل والمدفوعات: لماذا هذا مهم للكهرباء تحديداً؟

الجواب المباشر: لأن جزءاً كبيراً من أزمة الكهرباء في العراق مالي وإداري بقدر ما هو فني، وأي تقشف حقيقي لن ينجح دون تحسين التحصيل وتقليل التسرب.

القرارات الحكومية أشارت صراحة إلى:

  • تحسين جباية فواتير الكهرباء
  • توسيع الأتمتة والمدفوعات الإلكترونية الإلزامية عبر خدمات الدولة
  • تعزيز إجراءات الجمارك والتصاريح قبل الوصول بالتنسيق مع البنك المركزي

هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي بشكل عملي جداً، وليس “شعاراً تقنياً”:

  • كشف الاحتيال والتجاوزات: نماذج تتعرف على أنماط الاستهلاك غير الطبيعية، الربط غير القانوني، أو العبث بالعدادات.
  • تصنيف مخاطر عدم السداد: تحديد المشتركين أو المناطق ذات احتمالية تعثر أعلى لتحسين خطط التحصيل.
  • تحسين دورة الفوترة: دمج العدادات الذكية/القراءات الميدانية مع أنظمة تحليلات لتقليل الأخطاء والنزاعات.

هذه الإجراءات تتسق تماماً مع عقلية التقشف: رفع الإيراد دون رفع سعر الخدمة بشكل أعمى، عبر تقليل الفاقد وتحسين الإدارة.

الإيرادات غير النفطية… ودور الذكاء الاصطناعي في “تنويع داخل الطاقة”

الجواب المباشر: حتى داخل قطاع الطاقة نفسه توجد مصادر دخل غير نفطية إذا أُديرت بالبيانات.

الإيرادات غير النفطية غالباً تُفهم على أنها “خارج الطاقة”. لكن واقع العراق يتيح مقاربة أسرع: خلق إيرادات جديدة من داخل منظومة الطاقة عبر:

  • تحويل الغاز المصاحب إلى قيمة: تقليل الحرق وزيادة المعالجة والبيع أو استخدامه لتوليد الكهرباء محلياً.
  • خدمات رقمية وتشغيلية: بناء قدرات عراقية في التحليلات الصناعية، مراقبة الأصول، الأمن السيبراني الصناعي، ثم تقديمها كخدمات.
  • كفاءة سلاسل الإمداد: التنبؤ بالطلب على المواد وقطع الغيار وتقليل المخزون الراكد.

والنقطة السياسية-الاقتصادية التي وردت في خبر التقشف حول مراجعة آلية احتساب وتحويل الإيرادات غير النفطية بين المركز والإقليم، تؤكد حاجة الدولة إلى بيانات موحدة وقابلة للتدقيق. الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الحوكمة، لكنه يرفع جودة البيانات ويجعل التلاعب أصعب.

خارطة طريق واقعية لتطبيق الذكاء الاصطناعي تحت ضغط التقشف

الجواب المباشر: ابدأ بمشاريع صغيرة عالية العائد، ثم وسّعها تدريجياً مع بناء “أساس بيانات” قوي.

1) اختَر حالات استخدام تعطي عائداً خلال 90–180 يوماً

أقترح البدء بـ:

  1. صيانة تنبؤية لمعدة حرجة واحدة (ضاغط/مضخة/توربين)
  2. كشف سرقات/تجاوزات في منطقة كهرباء محددة
  3. لوحة مؤشرات موحدة لتكاليف التشغيل والتوقفات

2) ابنِ “طبقة بيانات” قبل شراء حلول كبيرة

نجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد على:

  • جودة بيانات الحساسات وSCADA وDCS
  • توحيد التعريفات (ما معنى “توقف”؟ ما معنى “عطل”؟)
  • حوكمة وصول البيانات وأمنها

3) اجعل المشروع مشتركاً بين التشغيل والمالية

التقشف يجعل المالية طرفاً أساسياً. الأفضل أن تُقاس النتائج بلغة يفهمها الجميع:

  • ساعات توقف أقل
  • كلفة صيانة أقل
  • تحصيل أعلى
  • فاقد أقل

4) ركّز على بناء قدرات محلية

أكثر خطأ أراه يتكرر: الاعتماد الكامل على مورد خارجي، ثم توقف النظام بعد انتهاء العقد. الحل:

  • تدريب فريق داخلي
  • توثيق النماذج
  • نقل معرفة منظم

أسئلة شائعة يطرحها المدراء في العراق (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي مكلف في زمن التقشف؟

إذا طُبّق كمشاريع محددة مرتبطة بخفض الهدر، فهو أداة تقليل كلفة لا بند رفاهي. المكلف فعلاً هو الاستمرار في التوقفات والفاقد.

هل نحتاج عدادات ذكية في كل مكان قبل البدء؟

لا. يمكن البدء بدمج بيانات موجودة (قراءات، شكاوى، استهلاك تاريخي) ثم التوسع تدريجياً.

ما أكبر خطر؟

ليس التقنية. الخطر هو بيانات ضعيفة أو مشروع بلا مالك واضح من جهة التشغيل.

ما الذي يجب فعله الآن؟

القرارات التقشفية التي أُقرت في 12/2025 تُشير إلى اتجاه واحد: الدولة تريد ضبط الإنفاق ورفع الإيرادات عبر الأتمتة والتحصيل الأفضل. قطاع الطاقة لا يستطيع الاستجابة بالأساليب القديمة. إذا كان المطلوب “نتائج سريعة بأقل هدر”، فالذكاء الاصطناعي هو الطريق الأقصر بشرط التنفيذ الواقعي.

إذا كنت تعمل في النفط والغاز أو الكهرباء في العراق، أنصحك بخطوة واحدة هذا الأسبوع: حدّد ثلاثة مصادر هدر رقمية قابلة للقياس (توقفات، فاقد، تحصيل) واطلب نموذجاً تجريبياً صغيراً يُثبت العائد خلال أشهر، لا سنوات.

السؤال الذي يستحق أن نبقى عنده: عندما تصبح الميزانية أكثر تشدداً، هل سنعتبر التحول بالذكاء الاصطناعي “كلفة إضافية”… أم “شبكة أمان” تمنع خسائر أكبر؟