قواعد السعودية للاستخدام الثانوي للبيانات تسرّع الذكاء الاصطناعي في الخليج. تعرّف كيف تستفيد بنوك وفنتك البحرين في 2026 بحوكمة بيانات عملية.

سياسات البيانات تُسرّع ذكاء البنوك في البحرين 2026
قبل أسبوع واحد فقط من دخول عام 2026، أعلنت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) عن قواعد عامة جديدة للاستخدام الثانوي للبيانات. الخبر يبدو “تنظيمياً” للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يشبه وضع سكّة قطار: من دونها لن يتحرك الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية بالسرعة المتوقعة، مهما كانت النماذج قوية.
وهذا يهم البحرين مباشرة. لأن الذكاء الاصطناعي في البنوك وشركات التكنولوجيا المالية لا يعيش على “البرمجيات” فقط؛ يعيش على البيانات: بيانات معاملات، سلوكيات استخدام القنوات الرقمية، أنماط الاحتيال، وسجلات الشكاوى… وكلها بيانات يمكن أن تُعيد المؤسسات استخدامها لأغراض ثانوية مثل التحليلات، البحث، تحسين الخدمات، وبناء نماذج مخاطر أدق—بشرط وجود قواعد واضحة تحمي الخصوصية وتمنع إساءة الاستخدام.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين”، هذه المقالة تشرح لماذا تُعدّ سياسات “الاستخدام الثانوي” نقطة تحوّل للخليج، وكيف يمكن للبحرين الاستفادة سريعاً في 2026—ليس بالشعارات، بل بخطوات عملية.
ما المقصود بالاستخدام الثانوي للبيانات… ولماذا هو وقود الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة المباشرة: الاستخدام الثانوي يعني إعادة استخدام البيانات التي جُمعت أساساً لغرض محدد (مثل تنفيذ عملية دفع أو فتح حساب) لأغراض أخرى مشروعة (مثل تحسين كشف الاحتيال أو تطوير خدمة رقمية)، ضمن ضوابط موافقات وحوكمة.
في الخدمات المالية، معظم “قيمة” الذكاء الاصطناعي تأتي من قدرته على اكتشاف أنماط لا يراها الإنسان بسهولة. لكن هذا يتطلب شيئين:
- إتاحة بيانات كافية (حجماً وتنوعاً) لتدريب النماذج وتقييمها.
- حَوْكمة صارمة تضمن أن إعادة الاستخدام لا تتحول إلى انتهاك للخصوصية أو مخاطر امتثال.
هنا تحديداً تأتي أهمية ما فعلته SDAIA: وضع إطار يحدّد الضوابط والإجراءات لطلب البيانات ومشاركتها لأغراض ثانوية مثل المنفعة العامة والبحث والتطوير والابتكار—وهو ما يفتح الباب أمام مشاريع ذكاء اصطناعي أكثر نضجاً، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل التمويل.
والفكرة ليست “تبادل بيانات كيفما اتفق”. بل إنشاء طريقة منظمة تسمح بإعادة الاستخدام بمسؤولية: من يطلب؟ لماذا؟ ما الحد الأدنى؟ كيف تُخفى الهوية؟ من يراجع؟ من يتحمل المسؤولية؟
لماذا القرار السعودي مهم للخليج… وللبحرين تحديداً؟
الإجابة المباشرة: لأن التنظيم يُقلّل التردد. حين تصبح القواعد واضحة، تنتقل المؤسسات من مرحلة “لا نقدر” إلى “نقدر إذا التزمنا بالمسار”.
الواقع أن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي في البنوك تتعثر لسببين متكررين:
- فرق الامتثال والحوكمة تخشى إعادة استخدام البيانات لأن الحدود غير واضحة.
- فرق التقنية تريد بيانات أكثر، لكن بلا “تفويض” تنظيمي وإجرائي تصبح المبادرة مخاطرة.
إطار SDAIA يقدم نموذجاً إقليمياً: قواعد عامة + هدف وطني (تحسين اتخاذ القرار، رفع جودة الخدمات الحكومية، تعزيز البحث والابتكار). وهذه الرسالة تنتقل سريعاً في الخليج: من يضبط قواعد البيانات بذكاء، يسرّع الذكاء الاصطناعي بذكاء.
بالنسبة للبحرين، حيث تُعدّ المملكة مركزاً مالياً وتستثمر بقوة في الخدمات الرقمية، هناك مكسبان مباشران من استيعاب هذا الاتجاه:
- تسريع مشاريع الذكاء الاصطناعي في البنوك عبر سياسات داخلية أو إطارات قطاعية تجعل مشاركة البيانات وإعادة استخدامها واضحة وقابلة للتدقيق.
- رفع جاهزية شركات الفنتك للعمل مع البنوك (والعكس) من خلال عقود بيانات وحوكمة تجعل التعاون ممكناً دون أن يتحول إلى “متاهة قانونية”.
جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي في المال لا يتأخر بسبب النماذج… بل بسبب القواعد التي تنظّم البيانات.
أين يخلق “الاستخدام الثانوي” قيمة فعلية في الخدمات المالية؟ (أمثلة بحرينية واقعية)
الإجابة المباشرة: أعلى العوائد تظهر في أربعة مسارات: مكافحة الاحتيال، الامتثال ومكافحة غسل الأموال، تجربة العميل، وتقييم المخاطر الائتمانية.
1) كشف الاحتيال في الزمن شبه الحقيقي
بدلاً من الاكتفاء بقواعد ثابتة (Rule-based)، تستطيع البنوك استخدام بيانات معاملات تاريخية—بعد حوكمتها—لتدريب نماذج تكشف الأنماط المتغيرة: أجهزة جديدة، مواقع غير معتادة، سلوك شراء شاذ، أو “شبكات” احتيال.
في البحرين، حيث ترتفع نسبة استخدام القنوات الرقمية، يصبح الفارق بين إيقاف معاملة مشبوهة خلال ثوانٍ وبين اكتشافها بعد ساعات فرقاً في الخسائر والثقة.
2) مكافحة غسل الأموال (AML) بإنذارات أقل وضوحاً وأكثر دقة
المشكلة المعروفة: أنظمة AML تولّد إنذارات كثيرة، ويُهدر وقت فرق الامتثال في مراجعة “إيجابيات كاذبة”.
الاستخدام الثانوي لبيانات الحسابات والمعاملات—ضمن ضوابط—يسمح ببناء نماذج تعلّم آلي تقلّل الإيجابيات الكاذبة وتُحسّن ترتيب الأولويات. النتيجة العملية: وقت أقل في الحالات غير المهمة، وتركيز أعلى على الحالات عالية المخاطر.
3) خدمة عملاء مدعومة بالذكاء الاصطناعي… دون تجاوز الخصوصية
روبوت محادثة مصرفي ذكي لا يحتاج أن “يعرف كل شيء” عن العميل. يحتاج أن يصل إلى الحد الأدنى المناسب: حالة بطاقة، تتبع نزاع، أو تفسير رسم.
إعادة استخدام بيانات مراكز الاتصال والشكاوى (مصنفة ومخفية الهوية عند الحاجة) تساعد على:
- بناء قاعدة معرفة عربية دقيقة باللهجة المناسبة للسوق.
- اكتشاف أكثر أسباب التواصل تكراراً وتحويلها إلى خدمات ذاتية.
- قياس الرضا بشكل أدق من “استبيان بعد المكالمة”.
4) نماذج ائتمان أكثر عدلاً وملاءمة
عند تنظيم إعادة استخدام بيانات تاريخية للقروض والسداد، يمكن تحسين نماذج التقييم، خصوصاً لشرائح يصعب تقييمها بالطرق التقليدية (أصحاب الأعمال الصغيرة، العاملون المستقلون).
لكن هذا المسار حساس: أي نموذج ائتمان يجب أن يخضع لاختبارات تحيز (Bias) وتفسير (Explainability). التنظيم الجيد هنا ليس عائقاً؛ هو شرط النجاح.
كيف تبدو “حوكمة الاستخدام الثانوي” داخل بنك أو شركة فنتك؟ (قائمة تنفيذية)
الإجابة المباشرة: هي مزيج من سياسات، أدوار، وضوابط تقنية تجعل إعادة الاستخدام قابلة للتدقيق ومحدودة الغرض.
إذا كنت في بنك بحريني أو فنتك تعمل مع بنك، هذه قائمة عملية يمكن البدء بها خلال 30–90 يوماً:
- سجل أغراض الاستخدام الثانوي: وثيقة رسمية تُعرّف الأغراض المسموحة (مثل مكافحة الاحتيال، تحسين الخدمة، البحث الداخلي) وما هو محظور.
- مبدأ الحد الأدنى من البيانات: لا يُسمح بأي مشروع ذكاء اصطناعي بطلب “كل شيء”. اطلب ما يلزم فقط.
- تصنيف البيانات: حساسة/شديدة الحساسية/غير حساسة، مع قواعد لكل فئة.
- إخفاء الهوية والتعمية:
pseudonymizationو/أوanonymizationحسب الحاجة، مع ضوابط تمنع إعادة التعرف. - بوابة طلب بيانات داخلية: نموذج طلب موحد يمر عبر مراجعة الامتثال والأمن والخصوصية.
- مراجعة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: خصوصاً لقرارات الائتمان والتسعير والتصنيف.
- سجل تدقيق (Audit Log): من استخدم ماذا؟ متى؟ ولماذا؟ وكيف؟
- اختبارات ما قبل الإنتاج: دقة، تحيز، متانة ضد الهجمات، و”هل النموذج يهلوس؟” في حالات المساعدات النصية.
هذه ليست رفاهية. في 2026، أي منتج مالي يعتمد على الذكاء الاصطناعي دون هذه الأساسات سيواجه تعطل إطلاق، أو مخاطر سمعة، أو حتى خسائر تشغيلية.
ما الذي يمكن أن تفعله البحرين الآن للاستفادة من الزخم الإقليمي؟
الإجابة المباشرة: الطريق الأسرع هو مواءمة الحوكمة مع الابتكار: أطر قطاعية واضحة، بيئات اختبار، ونماذج تعاقدية قياسية لمشاركة البيانات.
من تجربتي في مشاريع التحول الرقمي، أكثر ما ينجح هو الجمع بين “لغة الامتثال” و”لغة المنتج” في وثيقة واحدة. وللبحرين فرصة ممتازة لأن حجم السوق يسمح بتجارب أسرع وتعاون أقرب بين البنوك والفنتك.
خطوات عملية على مستوى القطاع (قابلة للتطبيق خلال 2026)
- قوالب تعاقدية قياسية لمشاركة البيانات بين بنك وفنتك (Data Sharing Addendum) تحدد الغرض، مدة الاحتفاظ، طرق الإخفاء، ومسؤوليات الاختراق.
- Sandboxes أكثر تركيزاً على الذكاء الاصطناعي: ليس فقط اختبار منتج، بل اختبار “بيانات + نموذج + حوكمة”.
- مقاييس موحدة لقياس أداء الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية: نسبة الإيجابيات الكاذبة في الاحتيال/AML، زمن الاستجابة في خدمة العملاء، وتحسن معدلات الموافقة على القروض دون زيادة التعثر.
سؤال يتكرر: هل مشاركة البيانات تعني المخاطرة بالخصوصية؟
ليس إذا فُعلت بالطريقة الصحيحة. الخطر الحقيقي ليس في مشاركة البيانات بحد ذاتها، بل في مشاركة بيانات بلا غرض محدد، بلا حد أدنى، وبلا سجل تدقيق. القواعد الجيدة تجعل المشاركة أداة نمو لا نقطة ضعف.
الخلاصة: القواعد التي تنظّم البيانات هي التي تحدد سرعة الذكاء الاصطناعي
القرار السعودي حول الاستخدام الثانوي للبيانات ليس خبراً محلياً؛ هو مؤشر على اتجاه خليجي واضح: تنظيم البيانات لتسريع الابتكار. وفي قطاع الخدمات المالية، هذا يعني نماذج احتيال أدق، امتثال أكثر كفاءة، وتجربة عميل رقمية أقرب لما يتوقعه الناس في 2026.
في البحرين، السؤال العملي ليس “هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: هل سنبني حوكمة بيانات تسمح له أن يعمل بثقة؟ من يجيب عن هذا السؤال مبكراً سيكسب وقتاً في السوق، وثقة من الجهات الرقابية، وراحة أكبر للعميل.
إذا كنت تقود بنكاً أو شركة فنتك في البحرين، اختر مشروعاً واحداً عالي الأثر (مثل الاحتيال أو مركز الاتصال)، وابدأ من الحوكمة أولاً ثم النموذج. بعدها ستلاحظ أن التنفيذ صار أسرع مما توقعت.
سؤال مفتوح للمستقبل: كيف ستبدو المنافسة بين البنوك في البحرين عندما يصبح “الوصول المنظم للبيانات” ميزة تنافسية بحد ذاتها؟