توطين المهارات الخليجية: ما الذي يعنيه لذكاء البحرين المالي؟

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرينBy 3L3C

قرار توطين 30% من المهن الهندسية بالسعودية يغيّر سوق المهارات بالخليج. تعرّف كيف ينعكس ذلك على الذكاء الاصطناعي والفنتك في البحرين وخطة عملية للتأهيل.

الذكاء الاصطناعيالتكنولوجيا الماليةالبنوكتوطين الوظائفهندسة البياناتحوكمة النماذج
Share:

Featured image for توطين المهارات الخليجية: ما الذي يعنيه لذكاء البحرين المالي؟

توطين المهارات الخليجية: ما الذي يعنيه لذكاء البحرين المالي؟

في 05/01/2026 أعلنت السعودية قراراً واضحاً: توطين 30% من 46 مهنة هندسية في القطاع الخاص، مع حد أدنى للراتب 8,000 ريال سعودي وفترة تصحيح 6 أشهر. قد يبدو الخبر “وظائف وهندسة” فقط، لكن تأثيره الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير.

لأن أي تحول رقمي جاد—خصوصاً في الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي—لا يتحقق بالبرمجيات وحدها. يتحقق بالناس: مهندسون، مختصو بيانات، أمن سيبراني، بنية تحتية، وامتثال. وما يحدث في سوق عمل خليجي بحجم السعودية يغيّر معادلة العرض والطلب على الكفاءات في المنطقة كلها… ومنها البحرين.

هذا المقال جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين». وسأربط بين خبر التوطين في السعودية وبين سؤال عملي يهم القادة في البنوك وشركات الفنتك في البحرين: كيف تُبنى القدرة البشرية التي تجعل مشاريع الذكاء الاصطناعي قابلة للتنفيذ والحوكمة والاستدامة؟

ماذا تقول السياسة السعودية بالأرقام… ولماذا هي مهمة للمنطقة؟

الجواب المباشر: القرار السعودي يرفع سقف المنافسة على المهارات الهندسية، ويضع إشارة سعرية (8,000 ريال كحد أدنى) تعيد تسعير بعض التخصصات الفنية—وهذا ينعكس على تكاليف التوظيف والتعاقد في الخليج.

القرار (بحسب ما ورد في الخبر) صدر بشكل مشترك من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان بتاريخ 31/12/2025، ويشمل منشآت القطاع الخاص التي لديها 5 موظفين أو أكثر في الوظائف الهندسية المحددة، مع اشتراط اعتماد المهندس ضمن الهيئة السعودية للمهندسين.

لماذا يهم البحرين تحديداً؟ لأن أسواق العمل الخليجية ليست جزرًا منفصلة. عندما تُرفع نسب التوطين وتُحدد حدود دنيا للرواتب في سوق كبير:

  • جزء من الكفاءات يتجه للفرص الأكثر استقراراً، فيقل المعروض إقليمياً لبعض الأدوار.
  • تتغير أسعار التعاقد والاستشارات، خصوصاً في مجالات الهندسة التقنية القريبة من البرمجيات والبيانات.
  • يصبح الاستثمار في إعادة التأهيل (Reskilling) داخل الشركات خياراً أقل كلفة من المنافسة على نفس المواهب في السوق.

وهنا تتلاقى القصة مع البحرين: الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية يحتاج نفس “العضلات” الهندسية التي تعمل على البنية والأنظمة، وليس فقط علماء بيانات.

من “توطين الهندسة” إلى “ذكاء مالي”: الرابط الحقيقي بين القرار والفنتك

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي في البنوك والفنتك لا ينجح بدون منظومة هندسية قوية—وكل سياسة تُعيد تشكيل سوق المهارات الهندسية ستؤثر على سرعة تبنّي الذكاء الاصطناعي وجودته.

عندما نفكر في الذكاء الاصطناعي في البحرين، غالباً يذهب الحديث إلى روبوتات المحادثة وخدمة العملاء. هذا جزء صغير. الواقع أن أكثر ما يستهلك الوقت والميزانية هو الأعمال “غير المرئية”:

  • بناء خطوط البيانات (Data Pipelines) وربط الأنظمة القديمة (Legacy) بالمنصات الحديثة.
  • تأمين البيانات وإدارة الصلاحيات وتشفير السجلات.
  • تطبيق ضوابط الامتثال والحوكمة، خصوصاً مع حساسية بيانات العملاء.
  • مراقبة الأداء والتحيز والانجراف (Model Drift) وإدارة الإصدارات.

هذه أعمال هندسية بامتياز. ومع أي ضغط إقليمي على هذه المهارات—بسبب توطين أو مشاريع بنية تحتية ضخمة أو توسعات—يصبح لدى شركات البحرين خياران:

  1. الشراء من السوق: توظيف/تعاقد بتكلفة أعلى ومخاطر دوران.
  2. البناء داخلياً: برامج تأهيل، مسارات مهنية، شراكات تدريب، ومعايير اعتماد.

أنا أميل للخيار الثاني لمعظم المؤسسات المالية. ليس لأنه “أجمل”، بل لأنه أكثر قابلية للتحكم: حين تبني المهارة داخلياً، تبني معها الثقافة والحوكمة.

ماذا يعني ذلك لمشاريع الذكاء الاصطناعي في البحرين؟

إذا كانت البحرين تريد تكبير استخدام الذكاء الاصطناعي في البنوك والفنتك، فهي تحتاج تخطيطاً واقعياً للمهارات في ثلاثة طبقات:

  • طبقة المنصات: سحابة/مراكز بيانات، تكامل، DevOps وMLOps.
  • طبقة البيانات: جودة، كتالوج بيانات، حوكمة، خصوصية.
  • طبقة الامتثال والمخاطر: تدقيق النماذج، قابلية التفسير، توثيق القرارات.

كل طبقة تحتاج مهندسين—والخبر السعودي يذكّرنا بأن السياسات الحكومية قد تسرّع أو تبطئ توفر هذه المهارات.

لماذا “التوطين” يخدم التحول الرقمي أكثر مما يظن البعض؟

الجواب المباشر: التوطين الفعال لا يخلق وظائف فقط؛ بل يخلق “ذاكرة مؤسسية” تجعل التحول الرقمي قابلاً للاستمرار، وتقلل الاعتماد على مزودين خارجيين في مهام حرجة.

الاعتراض الشائع على سياسات التوطين هو الخوف من ارتفاع التكاليف أو نقص الخبرة. هذا يحدث فعلاً إذا نُفذت السياسة كأرقام توظيف فقط. لكن عندما تُربط بمعايير مهنية (مثل اشتراط الاعتماد المهني في القرار السعودي) ورواتب حد أدنى وفترة تصحيح، تصبح أقرب إلى إدارة انتقال لا إلى “صدمة سوق”.

في الخدمات المالية، الاستدامة أهم من السرعة. مشروع ذكاء اصطناعي يُطلق بسرعة ثم يتوقف بسبب رحيل فريقه أو ضعف التوثيق يكلّف أكثر من مشروع يبدأ ببطء ويستمر سنوات.

وهنا موقف واضح: المؤسسات المالية التي تستثمر في كفاءاتها الوطنية مبكراً ستنجح أسرع في الذكاء الاصطناعي، حتى لو تأخر الإطلاق الأول شهرين.

مثال عملي قريب من الواقع (سيناريو شائع في البنوك)

  • بنك يقرر بناء نظام ذكاء اصطناعي لاكتشاف الاحتيال.
  • يشتري نموذجاً جاهزاً ويستعين بمستشار خارجي.
  • بعد 9 أشهر: النموذج يعمل، لكن الفريق الداخلي لا يملك أدوات MLOps ولا مراقبة الانجراف، وتوثيق القرار ضعيف.
  • بعد 12 شهراً: تتغير أنماط الاحتيال، ينخفض الأداء، وتبدأ “الترقيعات”.

لو كان لدى البنك مهندسو بيانات ومهندسو تشغيل نماذج داخل الفريق منذ البداية، لتغيرت النتيجة: مراقبة، تحسين مستمر، وتكلفة أقل على المدى المتوسط.

خطة عملية لشركات البحرين: كيف تبني “موهبة الذكاء الاصطناعي” تحت ضغط المنافسة الإقليمية؟

الجواب المباشر: ضعوا خريطة مهارات لمدة 12 شهراً، وحددوا 6 أدوار أساسية، وابدؤوا بمشاريع صغيرة قابلة للقياس، ثم وسّعوا الفريق بناءً على نتائج واضحة.

إذا كنت تعمل في بنك أو شركة فنتك في البحرين، فهذه خطوات عملية أثبتت فائدتها في مؤسسات كثيرة (حتى لو اختلفت التفاصيل):

1) حدّد الأدوار التي لا يمكن الاستغناء عنها

ابدأ بـ 6 أدوار “نواة” (قد يدمج شخص واحد دورين في البداية):

  1. مهندس بيانات (Data Engineer)
  2. مهندس منصات/سحابة (Platform Engineer)
  3. مهندس MLOps (تشغيل النماذج)
  4. محلل مخاطر/امتثال للذكاء الاصطناعي (Model Risk/Compliance)
  5. محلل أعمال (يربط التقنية بالمنتج)
  6. مهندس أمن سيبراني/هوية وصلاحيات

الفكرة: لا تبنِ فريق ذكاء اصطناعي من علماء بيانات فقط. معظم الشركات تقع هنا ثم تتعثر.

2) اجعل “التأهيل الداخلي” جزءاً من الميزانية وليس مبادرة جانبية

ضع بنداً ثابتاً للتدريب التطبيقي، وربطه بمخرجات. تدريب بدون مشروع يُنسى بسرعة.

اقتراح عملي:

  • 8 أسابيع تدريب + مشروع داخلي صغير (PoC)
  • تقييم تقني + توثيق نهج الحوكمة
  • قرار: إيقاف/توسيع

3) ابدأ بحالات استخدام مالية ذات عائد واضح

في البحرين، أكثر حالات الاستخدام قابلية للقياس في الخدمات المالية غالباً تكون:

  • أتمتة خدمة العملاء (مساعد ذكي مع ضوابط)
  • كشف الاحتيال والمعاملات غير الطبيعية
  • تقييم مخاطر الائتمان مع قابلية تفسير
  • تنبؤ التدفقات النقدية للشركات الصغيرة
  • التزام ومراقبة (AML) بدعم التحليلات

اختر حالة واحدة لا أكثر في البداية. التشتت يقتل الجودة.

4) ضع قواعد حوكمة قبل إطلاق أي نموذج

أفضل “قاعدة ذهبية” سمعتها من فرق مخاطر: إذا لا تستطيع شرح قرار النموذج، لا تستخدمه في قرار مالي حاسم.

قائمة قصيرة يجب أن تكون مكتوبة قبل الإطلاق:

  • مصدر البيانات وحق استخدامها
  • معايير العدالة والتحيز (قدر الإمكان)
  • آلية اعتراض العميل أو المراجعة البشرية
  • سياسة الاحتفاظ بالبيانات وسجلات التدقيق
  • خطة مراقبة الأداء والانجراف

5) استفد من التحولات الإقليمية بدل أن تتضرر منها

التحولات مثل قرار التوطين السعودي تعني شيئاً إيجابياً أيضاً: تزايد الاهتمام بتطوير الكفاءات المحلية سيخلق بيئة شراكات تدريب وشهادات واعتمادات ومسارات مهنية.

شركات البحرين يمكنها أن تكسب عبر:

  • التعاون مع الجامعات وبرامج التدريب المهني لتغذية أدوار البيانات والهندسة.
  • بناء مسارات “من هندسة نظم إلى MLOps” داخل المؤسسة.
  • تقديم عروض عمل تركز على النمو المهني والاستقرار، لا على الراتب فقط.

أسئلة شائعة يطرحها قادة البنوك والفنتك في البحرين

هل سيؤثر توطين الهندسة في السعودية فعلاً على توظيف البحرين؟

نعم، على الأقل في التخصصات المشتركة مثل هندسة البيانات، الأمن السيبراني، السحابة، وإدارة المشاريع التقنية. السوق مترابط، وأي رفع للطلب في مكان كبير يعيد تشكيل الأسعار والتوفر.

هل الأفضل بناء فريق داخلي أم الاعتماد على مزودين خارجيين؟

الأفضل نموذج هجين: الأساس داخلي (بيانات/حوكمة/تشغيل)، والاستعانة بمزودين خارجيين في التنفيذ السريع أو التخصصات النادرة. الاعتماد الكامل على الخارج يخلق مخاطر استمرارية.

ما أصغر مشروع ذكاء اصطناعي يمكن أن يبدأ منه بنك؟

مساعد ذكي لخدمة العملاء مع حدود واضحة (معلومات عامة + تصعيد لبشري) أو نموذج تنبؤ للتخلف عن السداد ضمن نطاق محدود، بشرط وجود مراقبة وتوثيق.

ما الذي ينبغي فعله الآن في البحرين؟

قرار السعودية بتوطين 30% من المهن الهندسية ورفع حد الرواتب يرسل رسالة بسيطة: المنطقة تبني اقتصاداً قائماً على مهارات متخصصة، وليس على وظائف عامة. وهذا يتطابق تماماً مع مسار البحرين كمركز مالي يعتمد على الخدمات الرقمية.

إذا كنت مسؤولاً عن التحول الرقمي أو الابتكار في بنك أو شركة فنتك بحرينية، فخطوتك الأهم في 01/2026 ليست اختيار “أداة ذكاء اصطناعي” جديدة. خطوتك الأهم هي بناء فريق قادر على تشغيل الذكاء الاصطناعي بأمان: بيانات قوية، هندسة موثوقة، وحوكمة واضحة.

المستقبل القريب في الخليج لن يكون سباقاً على من يطلق نموذجاً أسرع، بل على من يبني نظاماً يعمل باستمرار ويصمد أمام التدقيق والتنظيم وتغير سلوك العملاء. والسؤال الذي يستحق التفكير: عندما تصبح المهارات نادرة إقليمياً، هل ستشتريها مؤسستك… أم ستصنعها؟