الذكاء الاصطناعي والثقة: درسٌ من مسؤولية البنوك للمجتمع

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرينBy 3L3C

كيف ترتبط المسؤولية الاجتماعية بالثقة في خدمات الذكاء الاصطناعي؟ درس عملي من تجربة NBK يمكن أن يلهم البنوك والفنتك في البحرين.

الذكاء الاصطناعيالتكنولوجيا الماليةالبنوكالأمن السيبرانيالمسؤولية الاجتماعيةالثقة الرقمية
Share:

الذكاء الاصطناعي والثقة: درسٌ من مسؤولية البنوك للمجتمع

في 31/12/2025 أعلن بنك الكويت الوطني (NBK) عن حصيلة عامٍ كامل من المبادرات المجتمعية: تطوير واجهة الشويخ البحرية بتمويل 3 ملايين دينار كويتي، وتمويل توسعة مستشفى بنك الكويت الوطني التخصصي للأطفال (أمراض الدم والأورام وزراعة الخلايا الجذعية) بنحو 19 مليون دينار كويتي، والمساهمة في مشروع تطوير منطقة الشرق بكلفة تقارب 7 ملايين دينار كويتي. هذه ليست أرقام علاقات عامة بقدر ما هي إشارة واضحة إلى شيء أعمق: البنوك التي تتصدر في بناء الثقة اجتماعيًا تملك أفضلية حقيقية عندما تنتقل إلى الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وهنا يأتي دور موضوع سلسلتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين. كثيرون يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كقصة تقنية بحتة—روبوت محادثة أسرع، كشف احتيال أدق، موافقة ائتمانية خلال دقائق. أنا أختلف. القصة الأساسية في 2026 هي: كيف نبني ثقة كافية ليتقبل الناس قرارات مالية تُدار بالخوارزميات؟ وما فعله NBK في 2025 يقدّم نموذجًا عمليًا: الثقة لا تُشترى بحملات تسويق، بل تُبنى بسجلّ التزام ملموس.

لماذا تُعدّ المسؤولية الاجتماعية “بنية تحتية” للذكاء الاصطناعي؟

الإجابة المباشرة: لأن الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية يوسع “منطقة القرار” للبنك، والثقة تحدد مدى قبول المجتمع لهذا التوسع.

عندما يستخدم بنك أو شركة تكنولوجيا مالية في البحرين نماذج تعلم آلي لتحديد مخاطر الائتمان، أو لاكتشاف الاحتيال، أو لتخصيص عروض الادخار، فهو يطلب ضمنيًا من العميل أن يقول: “أثق أن هذه الآلة تعمل لمصلحتي وبإنصاف”. هذه الثقة لها ثلاثة مصادر عملية:

  1. سجلّ نزاهة وشفافية: كيف يتعامل البنك تاريخيًا مع المجتمع؟
  2. قدرة على حماية الناس: هل يستثمر في التوعية ومكافحة الاحتيال الرقمي؟
  3. نفع عام ملموس: هل يربط نجاحه المالي بتحسين جودة الحياة؟

بيان NBK يضيء المصادر الثلاثة بوضوح، خصوصًا عبر محورين قابلين للنقل إلى السياق البحريني: التوعية المالية والأمن السيبراني، والاستثمار في مشاريع ذات أثر مجتمعي واسع.

الثقة الرقمية ليست شعارًا… هي “تجربة يومية”

في الخدمات الرقمية، العميل يحكم بسرعة: تطبيق يعلق مرة، خدمة دعم لا تفهم المشكلة، أو رسالة تصيّد تشبه رسائل البنك… وكلها تضعف الثقة. لذلك المبادرات التي تمس “تجربة الناس اليومية” لها أثر أكبر من أي إعلان. مثال NBK في حملات التوعية بالاحتيال السيبراني باستخدام ورش ومحاكاة لسيناريوهات واقعية في المدارس والجامعات، يحمل درسًا مباشرًا لقطاع التكنولوجيا المالية في البحرين:

كل دينار يُصرف على بناء وعي رقمي يقلل تكلفة الاحتيال وخدمة العملاء لاحقًا.

من الكويت إلى البحرين: ما الذي يمكن أن تتعلمه البنوك وشركات الفنتك؟

الإجابة المباشرة: القيادة في الابتكار لا تُقاس بعدد الميزات في التطبيق، بل بقدرة المؤسسة على ربط الابتكار بمنفعة عامة يمكن قياسها.

NBK عرض 2025 كـ“رحلة عطاء” ممتدة، موزعة على الصحة والبيئة والتعليم والرياضة. الأهم ليس تنوع المبادرات فقط، بل طريقة تصميمها: مشاريع بنية تحتية (واجهة بحرية، موقف متعدد الأدوار)، وصحة (توسعة مستشفى الأطفال)، وأنشطة مجتمعية واسعة المشاركة (سباق NBK Run بأكثر من 7,000 مشارك وإضافة مسافة 21 كم لأول مرة).

في البحرين، حيث تسعى المؤسسات المالية للتوسع في الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، هذا النموذج يتترجم إلى سؤال عملي عند تصميم أي منتج AI:

  • ما المشكلة المجتمعية التي يخففها هذا المنتج؟
  • ما المؤشر الذي سنعلنه للناس بعد 6 أشهر أو سنة؟
  • كيف سنضمن أن الفئات الأكثر عرضة للخطر (كبار السن، أصحاب الدخل المحدود، أو محدودي الخبرة الرقمية) لن تُترك خلف الركب؟

مثال تطبيقي: روبوتات المحادثة ليست الهدف

إذا قدّمت شركة فنتك في البحرين روبوت محادثة مدعومًا بالذكاء الاصطناعي لتخفيف الضغط على مركز الاتصال، فهذا مفيد… لكنه “داخلي”. أما إن ربطت الروبوت ببرنامج توعية واضح—مثل “تحذير لحظي” عند الاشتباه برسالة تصيّد، أو تدريب تفاعلي داخل التطبيق—فهذا يتحول إلى قيمة مجتمعية.

NBK نفّذ حملات توعوية ضد الاحتيال السيبراني بطريقة تفاعلية. على نفس المنطق، يمكن لأي بنك بحريني أن يضيف داخل التطبيق:

  • اختبارات قصيرة عن الاحتيال (60 ثانية)
  • محاكاة رسائل مزيفة وإرشادات فورية
  • إعداد “قائمة تحقق” قبل التحويلات الكبيرة

هذه أمثلة بسيطة لكنها تغيّر العلاقة بين العميل والمؤسسة: من “خدمة مالية” إلى “حماية مالية”.

الذكاء الاصطناعي + المسؤولية الاجتماعية: أين يلتقيان عمليًا؟

الإجابة المباشرة: يلتقيان في ثلاث حالات استخدام: الشمول المالي، مكافحة الاحتيال، وقياس الأثر الاجتماعي (ESG).

1) الشمول المالي: قرارات ائتمان أعدل… بشرط الحوكمة

نماذج الائتمان بالذكاء الاصطناعي قد تساعد في تقييم عملاء لا يملكون تاريخًا ائتمانيًا كافيًا عبر مؤشرات بديلة. لكن إن تُرك الأمر دون حوكمة، قد يتحول إلى تمييز غير مقصود.

وهنا يظهر درس “العمل المجتمعي” كبوصلة: المؤسسات التي تعودت على التفكير في أثرها على المجتمع، تميل إلى تبني ضوابط أوضح، مثل:

  • مراجعات إنصاف النموذج (Fairness) دوريًا
  • تفسيرات مبسطة لأسباب الرفض
  • مسار اعتراض بشري واضح وسريع

2) مكافحة الاحتيال: الوعي + النمذجة أفضل من أي طرف وحده

الذكاء الاصطناعي ممتاز في اكتشاف الأنماط الشاذة، لكن المحتالين يتطورون بسرعة. لذلك أفضل نهج هو الجمع بين:

  • نماذج كشف احتيال لحظية
  • حملات توعية مستمرة (على طريقة NBK)
  • تدريب لموظفي الفروع والدعم على سيناريوهات حديثة

هذا الثلاثي يختصر الخسائر ويقلل “الضجيج” (False Positives) الذي يزعج العملاء.

3) قياس الأثر الاجتماعي: ما لا يُقاس لا يُدار

اللافت في خبر NBK هو وجود أرقام وتفاصيل: 3 ملايين للشويخ، 19 مليونًا لتوسعة المستشفى، 1,175 موقفًا ضمن مشروع تطوير الشرق، وامتداد برامج التوعية إلى أكثر من 100 مدرسة ووصولها لأكثر من 50,000 طالب عبر برنامج Bankee.

هذا الأسلوب—قياس ثم إعلان—هو ما تحتاجه مبادرات الذكاء الاصطناعي في البحرين حتى لا تبقى وعودًا. على سبيل المثال، بدل قول “حسّنا تجربة العميل”، يمكن نشر مؤشرات مثل:

  • خفض زمن الرد في الدعم من 6 دقائق إلى 90 ثانية
  • تقليل خسائر الاحتيال بنسبة 22% خلال 12 شهرًا
  • رفع نسبة اكتشاف محاولات التصيّد قبل وقوع الضرر

الأرقام لا تخدم التسويق فقط؛ هي أداة مساءلة تبني الثقة.

ما الذي يعنيه ذلك لقادة البنوك والفنتك في البحرين في 2026؟

الإجابة المباشرة: أي استراتيجية ذكاء اصطناعي بلا استراتيجية ثقة ستتوقف عند أول أزمة.

بصراحة، أغلب المؤسسات تبدأ من التقنية: تختار نموذجًا، تشتري منصة، ثم تبحث عن “حالة استخدام”. النهج الأفضل هو العكس: ابدأ من الثقة والمخاطر ثم اختر التقنية.

قائمة عمل قصيرة (عملية) لبناء ثقة AI في الخدمات المالية

  1. حوكمة بيانات واضحة: ما البيانات التي نجمعها؟ ولماذا؟ ومن يراها؟
  2. شفافية قابلة للفهم: لغة مبسطة داخل التطبيق لشرح قرارات الائتمان أو حظر العمليات المشبوهة.
  3. تعليم مالي رقمي مستمر: محتوى صغير ومتكرر بدل حملة سنوية.
  4. تصميم شامل: واجهات تناسب كبار السن وذوي الإعاقة، وخيارات دعم بشرية عند التعثر.
  5. قياس أثر معلن: مؤشرات أداء وثقة، تُنشر دوريًا.

عندما ننظر إلى مبادرات NBK—من الرياضة والصحة إلى التوعية المالية—سنجد أنها تتقاطع مع البنود أعلاه بطريقة غير مباشرة لكنها قوية: الاستثمار في الإنسان هو أقصر طريق للاستدامة الرقمية.

رأيي: في الخليج عمومًا، المنافسة في الذكاء الاصطناعي ستُحسم عبر “من يربح الثقة أولًا”، وليس “من يطلق ميزة أكثر”.

أين يدخل هذا ضمن سلسلة البحرين: الذكاء الاصطناعي كعقد اجتماعي

الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي في البحرين ليس مشروع تقنية فقط؛ هو عقد اجتماعي جديد بين المؤسسة المالية والمستخدم.

البحرين كمركز مالي إقليمي لديها بيئة تنظيمية داعمة للابتكار، ونشاط متصاعد في شركات التكنولوجيا المالية، وتوقعات أعلى من العملاء تجاه التجربة الرقمية. وهذا يرفع سقف المسؤولية: كل قرار خوارزمي هو قرار يؤثر على حياة شخص—قرض، تحويل، اكتشاف احتيال، أو حتى نصيحة ادخار.

الرسالة التي يمكن أخذها من تجربة NBK في 2025 بسيطة وقابلة للتطبيق: حين تُظهر المؤسسة أنها “شريك تنمية” قبل أن تكون “مزوّد خدمة”، تصبح تقنيتها أكثر قبولًا وأقل عرضة لرفض المجتمع.

إذا كنت تقود بنكًا أو شركة فنتك في البحرين وتخطط لإطلاق حلول ذكاء اصطناعي في 2026، اسأل فريقك سؤالًا واحدًا قبل اختيار النموذج: كيف سيشعر العميل بأن هذا الذكاء الاصطناعي يعمل لصالحه… ويستحق ثقته؟