الذكاء الاصطناعي في البنوك يبدأ من البيانات—وغالبًا من أنظمة COBOL. تعرّف كيف تستفيد مؤسسات البحرين من الإرث التقني لبناء AI قابل للتدقيق.

COBOL والذكاء الاصطناعي: لماذا بنوك البحرين تبدأ من الأنظمة القديمة؟
قبل سنوات، كان كثيرون يعتقدون أن أنظمة البنوك “القديمة” ستختفي مع موجة التطبيقات المصرفية والهواتف الذكية. الواقع مختلف تمامًا: جزء كبير من عمليات البنوك الأساسية عالميًا ما زال يعمل على أنظمة تراثية—وأشهرها أنظمة مبنية على لغة COBOL. والأهم؟ أن هذا “القديم” هو ما يحدد اليوم سرعة نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية.
في البحرين، حيث يجتمع قطاع مصرفي ناضج مع مشهد فينتك نشط وتشريعات داعمة للابتكار، تظهر مفارقة مفيدة: إذا أردت أن تبني نموذجًا ذكيًا للتنبؤ بالتعثر الائتماني أو مساعدًا افتراضيًا يرد على العملاء بدقة، فأنت تحتاج أولًا إلى بيانات صحيحة، متسقة، وقابلة للاستهلاك. وهذه البيانات غالبًا تسكن داخل قلب البنك التشغيلي—قلب ما زال ينبض بأنظمة تراثية.
هذه المقالة جزء من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين”، وتركّز على نقطة يغفلها كثيرون: الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من النموذج… بل من المصدر الذي يغذّيه.
لماذا ما زالت COBOL “قلب البنك” حتى في 2026؟
السبب المباشر: لأن معظم ما يهم البنك فعليًا—الأرصدة، القيود المحاسبية، الحركات، التسويات، والفوائد—يعمل على أنظمة Core Banking تم بناؤها عبر عقود، وتم اختبارها في كل سيناريو ممكن.
هذه الأنظمة قد لا تكون “جميلة” من الخارج، لكنها ممتازة في شيء واحد: الاعتمادية تحت الضغط. عندما تنفّذ البنوك ملايين العمليات يوميًا، فإن الأولوية ليست واجهة حديثة بقدر ما هي:
- دقة قيود دفتر الأستاذ (GL)
- الاتساق المحاسبي
- قابلية التدقيق (Auditability)
- الأداء في ساعات الذروة
في 2026، كثير من البنوك عالميًا ما زالت تُشغّل أجزاء أساسية على منصات Mainframe أو أنظمة تراثية، ليس عنادًا، بل لأن استبدال القلب مرة واحدة يكلّف مخاطرة تشغيلية هائلة. في البحرين، هذا المنطق أكثر وضوحًا لأن القطاع المصرفي يعمل ضمن معايير امتثال عالية ويخدم عملاء أفراد وشركات وأسواق رأس مال.
“القديمة” ليست عدوة الذكاء الاصطناعي… لكنها تختبره
الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات نظيفة ومهيكلة. والأنظمة التراثية غالبًا تحتوي بيانات دقيقة لكنها:
- موزّعة على وحدات كثيرة
- موثقة بطرق مختلفة
- يصعب الوصول إليها عبر واجهات حديثة
وهنا تبدأ القصة الحقيقية: نجاح الذكاء الاصطناعي في البنك يعتمد على بناء جسر محترم بين عالمين.
أين يتعثر الذكاء الاصطناعي داخل البنوك؟ المشكلة ليست في النماذج
الإجابة المختصرة: أغلب التعثرات سببها البيانات والتكامل، لا “ذكاء” النموذج.
أرى كثيرًا من الفرق تبدأ بتجربة نموذج تصنيف مخاطر أو روبوت محادثة، ثم تصطدم بعد أسابيع بأسئلة مزعجة:
- من يملك “نسخة الحقيقة” للبيانات؟ النظام الأساسي أم مستودع البيانات؟
- لماذا تعريف “العميل النشط” مختلف بين إدارة المخاطر وخدمة العملاء؟
- هل بيانات السنوات السابقة قابلة للمقارنة بعد تغيّر منتج أو سياسة؟
هذه ليست تفاصيل. هذه قواعد اللعبة. لأن أي انحراف صغير في تعريف الحقول أو توقيت تحديثها قد يخلق نموذجًا يبدو ممتازًا في الاختبار، لكنه يفشل في الواقع.
مثال عملي (قريب من واقع البحرين)
لنفترض بنكًا في البحرين يريد استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الاحتيال في بطاقات الدفع. النموذج يحتاج:
- بيانات العمليات في الزمن شبه الحقيقي
- بيانات سلوك العميل السابقة
- سياق: موقع التاجر، نوع القناة، حد البطاقة
إذا كانت هذه البيانات تُسحب من نظام تراثي بتحديث ليلي (Batch) فقط، فستكون الاستجابة متأخرة. النتيجة: ذكاء اصطناعي “ذكي” على الورق، بطيء في الواقع.
كيف تبني البنوك في البحرين ذكاءً اصطناعيًا فوق أنظمة تراثية دون مخاطرة؟
النقطة الأساسية: لا تحاول “هدم” النظام الأساسي لتبني الذكاء الاصطناعي. ابنِ طبقات تكامل وحوكمة تجعل البيانات قابلة للاستخدام بأمان.
1) نهج “التحديث التدريجي” بدل الاستبدال الكامل
أفضل مسار عملي لمعظم المؤسسات هو التحديث على مراحل:
- تعريض وظائف محددة من النظام التراثي عبر
APIs(قراءة/كتابة بحدود) - بناء طبقة تكامل (Integration Layer) تُوحّد الوصول
- إنشاء مخزن بيانات حديث أو Lakehouse للاستخدام التحليلي
- نقل وحدات جزئية لاحقًا حسب الأولوية (وليس حسب الموضة)
هذا النهج يقلل المخاطر ويُظهر قيمة مبكرة—وهي نقطة مهمة في بيئة تنافسية كبيئة الفينتك في البحرين.
2) “قابلية الملاحظة” للبيانات قبل أي نموذج
قبل نشر أي نموذج ذكاء اصطناعي، تحتاج البنوك إلى مراقبة جودة البيانات مثل مراقبة الأنظمة التشغيلية:
- نسبة القيم المفقودة في الحقول الحساسة
- الانحراف في التوزيعات (Data Drift)
- تأخر التحديث بين الأنظمة
- اكتشاف التعارض بين المصادر
جملة واحدة أحبها: إذا لم تكن قادرًا على مراقبة البيانات، فلن تستطيع الوثوق بالذكاء الاصطناعي.
3) حوكمة وامتثال: الذكاء الاصطناعي “المنضبط” هو الذي ينجح
في الخدمات المالية بالبحرين، لا يكفي أن يعمل النموذج؛ يجب أن يكون قابلًا للتفسير والتدقيق. وهذا يتطلب:
- تتبع مصدر البيانات (Data Lineage)
- سجل قرارات النموذج (Model Decision Logs)
- سياسات واضحة لإدارة الخصوصية والاحتفاظ بالبيانات
- ضوابط وصول صارمة (Least Privilege)
عبارة تصلح كقاعدة: الذكاء الاصطناعي في البنوك مشروع مخاطرة بقدر ما هو مشروع تقنية.
أين يظهر الأثر بسرعة؟ 5 استخدامات واقعية في البحرين
الإجابة المباشرة: أسرع العوائد تأتي عندما تربط الذكاء الاصطناعي ببيانات تشغيلية موثوقة من النظام الأساسي، ثم تختار حالات استخدام قابلة للقياس.
1) مكافحة الاحتيال في المدفوعات
- تصنيف العمليات لحظيًا أو شبه لحظي
- تقليل False Positives (رفض عمليات سليمة)
- تقليل الخسائر عبر إيقاف الأنماط المشبوهة مبكرًا
2) خدمة العملاء: مساعد ذكي لكن “مرتبط بالحقيقة”
روبوت محادثة بدون وصول مضبوط للبيانات سيعطي إجابات عامة. أما عندما يرتبط بمصادر البنك (الرصيد، حالة الطلب، رسوم البطاقة) عبر طبقة آمنة، تتحسن التجربة بشكل ملموس.
3) قرارات ائتمانية أسرع للشركات الصغيرة
شركات SME في البحرين تحتاج سرعة. الذكاء الاصطناعي يختصر زمن جمع المؤشرات إذا كانت البيانات:
- موحدة
- تاريخية
- قابلة للتفسير
4) اكتشاف مخاطر التشغيل والامتثال
تحليل الشذوذ في القيود المحاسبية أو أنماط المعاملات يساعد فرق الامتثال والتدقيق الداخلي، بشرط أن تكون البيانات من النظام الأساسي متاحة بشكل صحيح.
5) تسعير وعروض مخصصة بشكل مسؤول
التخصيص ليس “إغراقًا بالعروض”. التخصيص الذكي يعني اختيار عرض واحد مناسب في وقت مناسب، مع احترام الخصوصية ومعايير العدالة.
أسئلة شائعة تسمعها الفرق التنفيذية (مع إجابات صريحة)
هل يجب التخلص من COBOL حتى ننجح في الذكاء الاصطناعي؟
لا. الهدف ليس التخلص، بل جعل البيانات والخدمات قابلة للاستهلاك عبر طبقات حديثة. الاستبدال الكامل قد يكون مشروعًا لسنوات مع مخاطر عالية.
هل الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) مناسب للبنوك في البحرين؟
نعم، لكنه ليس “شات بوت” فقط. أنجح السيناريوهات تكون داخلية أولًا: تلخيص سياسات، مساعدة فرق الامتثال، البحث في المعرفة المؤسسية—ثم التوسع خارجيًا مع ضوابط قوية.
ما المؤشر الذي يثبت أن التكامل مع الأنظمة التراثية نجح؟
عندما تستطيع قياس ثلاثة أشياء بوضوح:
- زمن وصول البيانات (Latency)
- جودة البيانات (Completeness/Consistency)
- قابلية التدقيق (Lineage + Logs)
خطة عملية من 90 يومًا: من “فكرة AI” إلى قيمة قابلة للقياس
إذا كنت في بنك أو شركة فينتك في البحرين وتريد بداية واقعية، هذا ما أنصح به عادة:
- اختر حالة استخدام واحدة مرتبطة بأثر مالي واضح (مثلاً: الاحتيال أو تقليل زمن الموافقة الائتمانية).
- حدّد مصدر البيانات الأساسي: أي جدول/تقرير/تدفق من النظام التراثي يملك “الحقيقة”.
- ابنِ واجهة وصول آمنة (API أو Streaming/ETL محكوم) بدل النسخ العشوائي.
- ضع مقاييس نجاح قبل النموذج: جودة البيانات، زمن التحديث، نسبة الأخطاء.
- ابدأ بنموذج بسيط قابل للتفسير ثم حسّنه تدريجيًا.
هذا المسار يخلق ثقة داخل المؤسسة، ويمنع “مشروع عرض تقديمي” ينتهي دون تشغيل فعلي.
أين تتجه البحرين في 2026؟ التنافس سيكون على البيانات، لا على الشعارات
البحرين تمتلك خليطًا قويًا: بنوك بخبرة طويلة، وشركات فينتك سريعة الحركة، وبيئة تنظيمية تشجع التجربة المسؤولة. لكن ميزة السنوات القادمة لن تأتي من شراء أداة ذكاء اصطناعي جديدة كل ربع سنة.
الميزة ستأتي من قدرة المؤسسة على الإجابة عن سؤال بسيط: هل بياناتنا جاهزة لكي تُنتج قرارًا تلقائيًا يمكن تدقيقه؟ إذا كانت الإجابة “نعم”، فالذكاء الاصطناعي سيزيد الكفاءة ويُحسن تجربة العميل. إذا كانت “لا”، فستتكرر التجارب دون أثر.
أنا منحاز لفكرة واضحة: أذكى بنك ليس من يملك أكثر نماذج، بل من يملك أكثر بيانات موثوقة ومتصلة بالنظام الأساسي بأمان.
إذا كنت تعمل في بنك أو فينتك في البحرين وتفكر بمشروع ذكاء اصطناعي هذا الربع، ابدأ من قلب النظام—حتى لو كان مكتوبًا بـ COBOL. السؤال الآن: ما أول عملية مصرفية ستربطها بالذكاء الاصطناعي بشكل يمكن قياسه خلال 90 يومًا؟