كيف يعكس توسع غولدمان ساكس في استشارات الثانويات اتجاه EMEA؟ وما الذي يمكن للبحرين تعلمه لبناء استشارات مالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الاستشارات المالية بالبحرين
في 06/01/2026 ظهر خبر قد يبدو “بعيداً” عن الخليج للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة واضحة لكل من يعمل في الخدمات المالية بالمنطقة: غولدمان ساكس أطلق ذراعاً متخصصاً في استشارات السوق الثانوية لصناديق الاستثمار الخاص في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (EMEA)، وعيّن قيادة تنفيذية مكرّسة لهذا المجال. لماذا يهمنا ذلك في البحرين؟ لأن هذا التحرك ليس مجرد توسع جغرافي، بل دليل على أن خدمات الاستشارات المالية تدخل مرحلة أكثر تخصصاً وتعقيداً—وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي كأداة عملية لتقديم هذا التعقيد بسرعة وثقة وبكلفة تشغيل أقل.
الواقع أن كثيراً من المؤسسات في المنطقة ما زالت تتعامل مع “الاستشارة” كأنها سلسلة اجتماعات وجداول إكسل ورسائل بريد متبادلة. هذا الأسلوب ينجح عندما تكون الصفقات قليلة والبيانات محدودة. أما اليوم، ومع ازدياد تداول حصص الصناديق الخاصة في السوق الثانوية وظهور أدوات مثل Continuation Vehicles، فإن من لا يستثمر في التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي سيجد نفسه بطيئاً مقارنة بالسوق.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين»، وسأربط فيها بين خبر غولدمان ساكس وما يعنيه عملياً للمصارف وشركات التكنولوجيا المالية في البحرين: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع جودة الاستشارات، يحسّن تفاعل العملاء، ويقوّي إدارة المخاطر—خصوصاً في خدمات الاستثمار البديل.
ماذا تقول خطوة غولدمان ساكس عن اتجاه السوق في EMEA؟
الخلاصة أولاً: إطلاق “امتياز” للاستشارات في السوق الثانوية يعني أن الطلب على تسييل الاستثمارات غير السائلة صار كبيراً بما يكفي ليصبح خدمة قائمة بذاتها، وليست مجرد إضافة على خدمات الاندماج والاستحواذ.
وفقاً للتقرير الإخباري، السوق الثانوية لصناديق الاستثمار الخاص تشهد نمواً في أحجام التداول. البيانات المذكورة تعطي مؤشراً قوياً على تسارع هذا المسار:
- في عام 2025 كان متوقعاً أن يتم تداول نحو 1.4% من الأصول المدارة (AUM) عبر السوق الثانوية عبر فئات تشمل: الاستحواذات، رأس المال الجريء، الائتمان الخاص، العقارات والبنية التحتية.
- متوسط 2014-2024 كان 0.9%.
- بيانات Preqin Pro (حتى منتصف يونيو) أشارت إلى جمع صناديق الثانويات نحو 38.8 مليار دولار، مع توقعات بأن يتجاوز جمع التمويل 60.78 مليار دولار مقارنة بـ 2024.
هذه الأرقام ليست “مجرد إحصاءات”. معناها أن المستثمرين والمؤسسات يبحثون عن:
- سيولة أسرع دون انتظار عمر الصندوق الكامل.
- إعادة تشكيل المحافظ وفق تغيّر أسعار الفائدة والمخاطر.
- حلول هندسة مالية مثل مركبات الاستمرارية التي تُبقي الأصل داخل هيكل جديد.
وهنا نقطة مهمة: كلما زادت الحلول تعقيداً، زادت الحاجة لطبقة تقنية تساعد على الفهم والتسعير والتنفيذ—وهذا بالضبط ما يقدمه الذكاء الاصطناعي عندما يُستخدم بشكل صحيح.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في الاستشارات الثانوية؟ (ليس كواجهة، بل كمحرّك)
الخلاصة أولاً: الذكاء الاصطناعي لا يستبدل المستشار، لكنه يضغط زمن التحليل من أسابيع إلى أيام—وأحياناً ساعات—ويجعل الحوار مع العميل أكثر دقة.
السوق الثانوية في الاستثمار الخاص تعاني تقليدياً من ثلاث مشكلات: قلة الشفافية، تشتت البيانات، وصعوبة المقارنة بين صفقات متشابهة. هذا يجعل التسعير (والتفاوض) بطيئاً ومكلفاً.
1) ذكاء اصطناعي لفهم “حقيقة البيانات” قبل أي عرض
في صفقات الثانويات، الفريق عادة يجمع مستندات ضخمة: تقارير صندوق، رسائل مستثمرين، ملاحق قانونية، بيانات تدفقات نقدية، تقييمات دورية… إلخ.
هنا تبرز قيمة نماذج NLP (معالجة اللغة الطبيعية) بشكل مباشر:
- استخراج البنود الحساسة من المستندات (قيود تحويل الملكية، شروط موافقة المدير العام، رسوم الإدارة، آليات التقييم).
- تلخيص المخاطر والالتزامات في صفحة واحدة قابلة للمراجعة.
- مقارنة شروط صندوقين أو ثلاث بسرعة وتحديد “ما الذي تغيّر فعلاً”.
هذه ليست رفاهية. هذا يقلل أخطاء بشرية مكلفة، خصوصاً عندما يكون وقت الإغلاق ضيقاً.
2) نماذج تسعير أكثر واقعية للسيولة والخصم
خصم السوق الثانوية لا يرتبط فقط بأداء الأصل. يرتبط أيضاً بـ:
- مدة الإقفال المتبقية
- جودة مدير الصندوق
- تركّز المحفظة
- المخاطر التنظيمية والضريبية
- تاريخ التوزيعات
الذكاء الاصطناعي يساعد عبر نماذج تعلم آلي تجمع تاريخ صفقات سابقة ومؤشرات السوق وتحولها إلى نطاقات تسعير مع تفسير منطقي (Explainability) مناسب للامتثال.
3) أتمتة تفاعل العملاء بدون فقدان الطابع “الخاص”
من التحديات في الاستشارات المالية أن العميل يريد تواصل سريع، لكنه يكره الردود الجاهزة.
أكثر ما نجح في التجارب العملية التي رأيتها: مساعد استشاري داخلي يجهّز للمستشار:
- مسودة ردود مخصصة حسب ملف العميل
- ملخص اجتماع سابق مع نقاط متابعة
- “أسئلة ذكية” يجب طرحها لتقليل الغموض
بهذه الطريقة يبقى القرار لدى الإنسان، بينما يختصر الذكاء الاصطناعي الوقت.
ماذا يعني هذا للبحرين كمركز مالي؟
الخلاصة أولاً: البحرين لا تحتاج أن “تقلد” غولدمان ساكس؛ لكنها تستطيع أن تتبنى نفس المنطق: التخصص + التقنية = خدمات أعلى قيمة وربحية.
البحرين لديها عناصر تجعلها مناسبة لتبني نماذج استشارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية:
- نضج تنظيمي في القطاع المالي، مع اهتمام واضح بالابتكار.
- كتلة من المصارف والمؤسسات الاستثمارية والإسلامية التي تحتاج حلول تحليل مخاطر ومنتجات بديلة.
- سوق إقليمي متصل (عملاء من الخليج وخارجه) يبحث عن كفاءة وتشغيل رقمي.
الفرصة العملية هنا ليست فقط في “الاستثمار الخاص”. بل في تقديم خدمات تشبه الثانويات من حيث الطبيعة: أصول أقل سيولة، بيانات أكثر تعقيداً، وحساسية أعلى للامتثال.
1) الاستشارات الاستثمارية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لعملاء الثروات
عميل الثروات لا يريد تقريراً من 40 صفحة. يريد إجابة واضحة:
- ما السيناريوهات المحتملة؟
- ما المخاطر؟
- متى يمكن الخروج؟
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول البيانات إلى رواية مالية مفهومة: سيناريو محافظ/متوازن/جريء مع تبرير.
2) تمويل الشركات وإعادة الهيكلة
عام 2026 بدأ بتوقعات سوقية متقلبة عالمياً (فائدة، تضخم، تقييمات). هذا عادة يزيد اهتمام الشركات بـ:
- إعادة التمويل
- بيع أصول غير أساسية
- البحث عن مستثمرين
الذكاء الاصطناعي يمكنه دعم فرق الاستشارات في البحرين عبر:
- تحليل الجدارة الائتمانية بسرعة
- محاكاة أثر شروط تمويل مختلفة
- اقتراح “مزيج تمويل” يراعي التدفقات النقدية
3) التكنولوجيا المالية: تحويل الاستشارة إلى منتج (Advisory-as-a-Product)
شركات الفنتك في البحرين تستطيع تقديم طبقة تقنية تخدم المصارف ومديري الأصول:
- منصات إدارة مستندات صفقة مع تصنيف تلقائي
- محركات مطابقة بين البائعين والمشترين مع عوامل تفضيل
- أدوات
KYC/AMLذكية تقلل زمن onboarding
هذا يفتح باباً واضحاً لنمو الإيرادات عبر اشتراكات B2B.
“مركبات الاستمرارية” مثال ممتاز: لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي هنا؟
الخلاصة أولاً: مركبات الاستمرارية (Continuation Vehicles) ليست مجرد هيكل قانوني؛ هي قرار استثماري يحتاج سردية دقيقة وتوافق مصالح—والذكاء الاصطناعي يساعد في بناء هذه السردية.
الخبر أشار إلى تركيز فريق غولدمان ساكس على الثانويات في الاستثمار الخاص والبنية التحتية مع اهتمام خاص بمركبات الاستمرارية. هذه المركبات تُستخدم عندما يرغب مدير الصندوق في نقل أصل (أو مجموعة أصول) من صندوق قديم إلى هيكل جديد، غالباً لإتاحة:
- بقاء المستثمرين الحاليين أو خروجهم
- دخول مستثمرين جدد
- تمديد أفق الاستثمار
التحدي هنا: كيف تقنع كل الأطراف أن الصفقة “عادلة”؟
الذكاء الاصطناعي يدعم ذلك عبر:
- بناء تحليل مقارنة بين سيناريو البيع الآن وسيناريو الاحتفاظ
- قياس حساسية العوائد لتغيرات سعر الفائدة أو مخاطر التشغيل
- تلخيص مبررات القرار بلغة مفهومة للمستثمرين (خصوصاً غير المتخصصين)
في الخليج، حيث تزداد الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة واللوجستيات، هذا النوع من النماذج قابل للتطبيق مباشرة—ومن البحرين يمكن تقديمه كخدمة إقليمية.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في البحرين (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب للاستشارات “العالية الحساسية”؟
نعم، بشرط أن يكون استخدامه مقيداً بحوكمة واضحة: صلاحيات، سجلات تدقيق، عدم تسريب بيانات، ومخرجات قابلة للتفسير.
من أين نبدأ إذا كانت البيانات لدينا غير مرتبة؟
ابدأوا بمشروع صغير يثبت العائد:
- مستودع مستندات صفقات موحّد
- تصنيف تلقائي + بحث ذكي
- لوحة مؤشرات للصفقات (مدة الإقفال، أسباب التعثر، مراحل
KYC)
بعدها توسعون إلى نماذج تسعير وتوصيات.
ما أسرع “مكسب” يمكن قياسه؟
في العادة أسرع مكسب يكون في:
- تقليل زمن إعداد المذكرات الاستثمارية
- تقليل زمن مراجعة المستندات
- تقليل زمن الرد على استفسارات العملاء
والمهم: تقيسوا الزمن قبل وبعد.
خطة عملية من 5 خطوات للمؤسسات في البحرين
الخلاصة أولاً: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي للاستشارات ليس مشروعاً تقنياً فقط؛ هو مشروع تشغيل وتجربة عميل وامتثال.
- اختاروا حالة استخدام واحدة مربحة: مثل تحليل مستندات الصناديق أو أتمتة ملخصات الاجتماعات.
- ضعوا حوكمة بيانات من اليوم الأول: تصنيف البيانات، الصلاحيات، وسياسات الاحتفاظ.
- ادمجوا الامتثال مبكراً: لا تنتظروا مرحلة الإطلاق لتسألوا: هل هذا متوافق؟
- ابنوا “إنسان داخل الحلقة”: المخرجات الاستشارية يجب أن يراجعها مختص قبل إرسالها.
- قيسوا مؤشرات واضحة: زمن إعداد العرض، عدد الأخطاء، رضا العميل، تكلفة الخدمة.
جملة أحب تكرارها مع فرق الاستشارات: إذا لم تتمكن من قياس الوقت الذي اختصرته، لن تتمكن من الدفاع عن ميزانية الذكاء الاصطناعي.
أين تتجه الاستشارات المالية في 2026؟
تحرك غولدمان ساكس نحو تخصص استشارات الثانويات في EMEA يقول شيئاً واحداً: الاستشارة المالية تتحول إلى “منتج” قائم على البيانات، وليس مجرد خبرة أفراد. في البحرين، هذا الاتجاه يفتح مساحة كبيرة لبنوك وشركات فنتك لتقديم خدمات أسرع وأكثر تخصيصاً—من دون التضحية بالحوكمة والامتثال.
إذا كان 2025 قد شهد تداولاً متوقعاً عند 1.4% من الأصول المدارة عبر الثانويات مقارنة بمتوسط 0.9% سابقاً، فالمسار واضح: مزيد من الصفقات، مزيد من المستندات، ومزيد من الضغط على فرق الاستشارات لتسليم قيمة أسرع. الذكاء الاصطناعي هنا ليس “إضافة لطيفة”. هو الطريقة العملية لتلبية هذه السرعة.
السؤال الذي أتركه لكم في نهاية هذه الحلقة من السلسلة: أي جزء من رحلة العميل الاستشارية في مؤسستكم ما زال يستهلك وقتاً كبيراً بلا داعٍ—ولو أصلحتموه بالذكاء الاصطناعي، ماذا سيتغير في نمو الإيرادات خلال 2026؟