قواعد السعودية للاستخدام الثانوي للبيانات ترسم سابقة خليجية. تعرّف كيف تدعم حوكمة البيانات الذكاء الاصطناعي والفنتك في البحرين.
حَوكمة البيانات الثانوية تمهّد لتمويل ذكي في البحرين
في 31/12/2025 أعلنت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)» عن قواعد عامة للاستخدام الثانوي للبيانات. الخبر قد يبدو سعوديًا بحتًا، لكن تأثيره الإقليمي واضح: عندما تُنظَّم مشاركة البيانات وتُحَدَّد طرق طلبها وإتاحتها وإعادة استخدامها، يصبح تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر واقعية وأقل مخاطرة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين إذا كانت تريد الانتقال من “تجارب ذكاء اصطناعي” إلى منتجات مصرفية تعمل يوميًا وتحقق عائدًا.
أكثر فكرة خاطئة أسمعها من فرق العمل في البنوك وشركات الفنتك: “نحتاج نموذجًا أفضل”. الواقع؟ في معظم الحالات أنت لا تحتاج نموذجًا أذكى بقدر ما تحتاج بيانات يمكن استخدامها قانونيًا وبشكل موثوق. الذكاء الاصطناعي في التمويل لا يعيش على الخوارزميات فقط؛ يعيش على سجلات معاملات، وسلوكيات عملاء، وبيانات امتثال، وبيانات تشغيل… وكلها تصبح بلا قيمة إذا كانت “مقفلة” أو غير قابلة للمشاركة أو إعادة الاستخدام.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين»، وسنربط خطوة السعودية التنظيمية بما يمكن أن تعنيه عمليًا للبحرين: فرص أسرع للابتكار، ومسارات أوضح للامتثال، وبنية بيانات أنضج تساعد على أتمتة خدمة العملاء، وتحسين إدارة المخاطر، وبناء خدمات مالية رقمية تتوسع بثقة.
لماذا تُعدّ قواعد «الاستخدام الثانوي للبيانات» مهمة للقطاع المالي؟
الاستخدام الثانوي للبيانات يعني إعادة استخدام بيانات جُمعت أصلًا لغرض ما (تشغيلي أو خدمي)، لغرض آخر مشروع مثل البحث، التحليل، تحسين الخدمات، أو ابتكار منتجات. في الخدمات المالية، هذا ليس ترفًا؛ هذا هو الوقود الذي يشغّل:
- مكافحة الاحتيال عبر تحليل أنماط معاملات تاريخية
- نماذج مخاطر الائتمان عبر دمج مؤشرات سلوكية وتشغيلية
- تخصيص العروض (Next Best Offer) بطريقة قابلة للتفسير والقياس
- أتمتة مراكز الاتصال عبر نماذج فهم اللغة وربطها بسجل العميل
ما الذي أضافته السعودية تحديدًا؟
الخبر السعودي ركّز على أن SDAIA أصدرت وثيقة تُحدّد الضوابط والإجراءات لطلب البيانات ومشاركتها لأغراض ثانوية، بما يخدم المصلحة العامة، ويدعم البحث والتطوير والابتكار، ويشجّع الجهات الحكومية على مشاركة البيانات بكفاءة أعلى. هذه النقطة بالذات تصنع فرقًا في القطاع المالي: عندما تتضح القواعد، يقل الغموض، ويزيد الاستثمار.
جملة قابلة للاقتباس: كل مشروع ذكاء اصطناعي في التمويل هو مشروع حوكمة بيانات قبل أن يكون مشروع نماذج.
سابقة سعودية… وإشارة مباشرة للبحرين والفنتك
السعودية لا تتحرك في فراغ؛ هي تبني “نظامًا بيئيًا وطنيًا للبيانات” يوازن بين الإتاحة والحوكمة والاستخدام المسؤول. بالنسبة للبحرين، القيمة ليست في نسخ اللوائح حرفيًا، بل في التقاط الدرس: السياسة الواضحة تقلّل كلفة الابتكار.
في البحرين، يوجد نشاط قوي في التكنولوجيا المالية وتبني الخدمات الرقمية، لكن كثيرًا من حالات الاستخدام تتعثر في مرحلة ما قبل الإنتاج (Production) بسبب:
- صعوبة الوصول إلى البيانات عبر الأقسام (Data Silos)
- طول دورات الموافقات القانونية والامتثال
- عدم وضوح “من يملك البيانات؟ ومن يحق له استخدامها ولأي غرض؟”
إطار منظّم للاستخدام الثانوي يجعل الأسئلة السابقة قابلة للإجابة مسبقًا، بدل أن تُحلّ كل مرة في مشروع جديد. وهذه نقطة حساسة لبنوك التجزئة وشركات الدفع والإقراض الرقمي: السرعة هنا ليست ميزة تسويقية فقط، بل بقاء.
ماذا يعني ذلك لقرارات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟
عندما تتوفر قواعد حوكمة واضحة:
- تزيد قابلية الشراكة بين بنك وفنتك لأن نطاق البيانات واستخدامها مُعرّف
- يصبح بناء “مخزن ميزات” Feature Store ونماذج ML مراقَبة أسهل
- تُقاس المخاطر التنظيمية مسبقًا بدل أن تُكتشف بعد إطلاق المنتج
من التنظيم إلى المنتج: حالات استخدام عملية في البحرين
الفكرة ليست “نشارك البيانات ونبتكر” بشكل عام. المطلوب هو تحويل الحوكمة إلى خطوط إنتاج واضحة. هذه أمثلة عملية لحالات استخدام في البحرين تستفيد مباشرة من منطق “الاستخدام الثانوي” إذا تم تنظيمه داخليًا أو على مستوى المنظومة:
1) خدمة عملاء مؤتمتة لكن آمنة (Chatbots + Assistants)
العديد من المؤسسات تُطلق مساعدًا افتراضيًا يجيب إجابات عامة، ثم تتفاجأ بأن العملاء يريدون أشياء محددة: حالة تحويل، رسوم بطاقة، سبب رفض معاملة. هنا يظهر الاحتياج للاستخدام الثانوي:
- تدريب نماذج فهم الأسئلة على سجلات محادثات تاريخية (بعد تنقيحها)
- تحليل أسباب الشكاوى عبر بيانات مركز الاتصال
- تحسين الردود وفق سياسة واضحة للوصول إلى بيانات الحساب (Role-Based Access)
النتيجة ليست “ردود أسرع” فقط، بل تقليل تكلفة الخدمة وتحسين الالتزام لأن المساعد يعمل ضمن حدود بيانات مُعرّفة.
2) مكافحة الاحتيال في الزمن شبه الحقيقي
الاحتيال يتطور بسرعة، وأي نموذج ثابت عمره قصير. التنظيم الجيد للاستخدام الثانوي يسمح بـ:
- إعادة استخدام بيانات معاملات قديمة لتوليد ميزات سلوكية
- مشاركة مؤشرات احتيال مُجمّعة (Aggregated Indicators) بين جهات داخل المجموعة المالية
- تقييم النماذج عبر سجلات تاريخية بطريقة قابلة للتدقيق (Auditability)
هذه ليست تفاصيل تقنية فقط؛ هي فرق بين نظام يوقف عمليات كاذبة كثيرًا (False Positives) ونظام يوازن بين الحماية وتجربة المستخدم.
3) ائتمان أدق للشركات الصغيرة والمتوسطة
الـSMEs في البحرين تحتاج قرارات أسرع وتمويلًا أذكى. استخدام ثانوي منظم للبيانات يساعد على بناء نماذج تجمع بين:
- سلوك السداد السابق
- أنماط التدفق النقدي (Cashflow)
- مؤشرات تشغيلية (مثل انتظام الرواتب، تذبذب الإيرادات)
مع شرط واضح: تقليل الاعتماد على بيانات حساسة غير لازمة، وتوثيق سبب استخدام كل حقل بيانات (Data Minimization).
كيف تبني مؤسسة مالية “حوكمة استخدام ثانوي” دون تعقيد قاتل؟
القاعدة الذهبية: حوكمة خفيفة لكن صارمة. ليس المطلوب لجان لا تنتهي، بل نظام واضح يجيب على: ما الذي نستخدمه؟ لماذا؟ من يوافق؟ وكيف نراجع؟
نموذج عملي (قابل للتطبيق خلال 60–90 يومًا)
- جرد البيانات ذات القيمة للذكاء الاصطناعي
- معاملات، تفاعلات العملاء، بيانات مخاطر، سجلات تشغيل
- تصنيف البيانات
- حساسة/شديدة الحساسية/عامة، مع معايير واضحة
- كتالوج بيانات + سجل أغراض الاستخدام
- لكل مجموعة بيانات: المالك، الغرض الأصلي، الأغراض الثانوية المسموحة
- قالب موحد لطلب البيانات (Data Request)
- يحدد: الهدف، نوع النموذج، مدة الاحتفاظ، طريقة الإخفاء/التعمية
- ضوابط الخصوصية والأمن
- إخفاء الهوية (Anonymization/Pseudonymization) عندما يلزم
- وصول حسب الدور، وتسجيل كامل للأحداث (Logging)
- مراقبة ما بعد الإطلاق
- قياس الانحراف (Drift)، والتحيز (Bias)، وجودة البيانات، والأثر على العملاء
جملة قابلة للاقتباس: إذا لم تستطع شرح سبب استخدامك لعمود واحد في جدول البيانات، فالأرجح أنك لا يجب أن تستخدمه.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل مشاركة البيانات تعني المخاطرة بخصوصية العملاء؟
لا إذا كانت المشاركة محكومة. الاستخدام الثانوي لا يعني فتح البيانات للجميع؛ يعني تحديد أغراض مشروعة، وتقليل البيانات المستخدمة، وتطبيق ضوابط إخفاء الهوية، وتوثيق الموافقات.
هل هذا يهم شركات الفنتك الصغيرة أم البنوك فقط؟
يهم الاثنين، لكن تأثيره على الفنتك أكبر. الفنتك غالبًا لا تملك حجم بيانات تاريخي مثل البنوك، لذا تعتمد على الشراكات. الحوكمة الواضحة تجعل الشراكات أسرع وأقل كلفة.
ما المؤشر الذي يخبرني أن الحوكمة ناجحة؟
مؤشر عملي: مدة الحصول على بيانات مشروع ذكاء اصطناعي. إذا كانت تستغرق 8–12 أسبوعًا، ستخسر دورة السوق. الهدف الواقعي: 2–4 أسابيع لطلبات واضحة ومكررة، وأسرع للبيانات منخفضة الحساسية.
ما الذي ينبغي على البحرين فعله الآن؟
أرى فرصة واضحة للبحرين في 2026: تحويل الذكاء الاصطناعي في التمويل من “وظائف جميلة في العروض التقديمية” إلى قدرات تشغيلية تُقاس بالعائد. لكن ذلك يحتاج قرارًا إداريًا قبل التقني.
ابدأوا بثلاث خطوات بسيطة لكنها حاسمة:
- ثبّتوا تعريفًا داخليًا للاستخدام الثانوي وربطوه بالامتثال والخصوصية
- ابنوا مسارًا سريعًا لطلبات البيانات المتكررة (Fast Lane)
- اربطوا كل مشروع ذكاء اصطناعي بمخرجات قابلة للقياس: خفض احتيال، تقليل وقت خدمة، رفع دقة الائتمان
الرسالة التي حملتها خطوة SDAIA واضحة: تنظيم مشاركة البيانات ليس عائقًا؛ هو الشرط الذي يجعل الابتكار ممكنًا على نطاق واسع. والسؤال الذي يستحق النقاش داخل مجالس إدارة المؤسسات المالية في البحرين الآن: هل نريد ذكاءً اصطناعيًا “مجربًا” أم ذكاءً اصطناعيًا “مُنتجًا” يعيش داخل العمليات اليومية؟