ارتفاع الحوادث السيبرانية في الأردن إلى 839 خلال Q3 2025 يرسل إنذاراً للقطاع المالي. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي البحرين على كشف الاحتيال وتقليل المخاطر.

839 حادثة سيبرانية في الأردن: إنذار للبنوك بالبحرين
رقم واحد كفيل بتغيير طريقة تفكير أي فريق أمن معلومات في المنطقة: رُصدت 839 حادثة أمن سيبراني في الأردن خلال الربع الثالث من 2025 وفق ما نُقل عن المركز الوطني للأمن السيبراني هناك. قد لا تكون هذه الحوادث كلّها “اختراقات كارثية”، لكنها تُخبرنا بشيء أوضح: وتيرة المحاولات ترتفع، والخصم لا ينام.
بالنسبة للبحرين—كمركز مالي إقليمي يتسارع فيه التحوّل الرقمي—هذه ليست “أخبار دولة مجاورة” بقدر ما هي جرس إنذار تشغيلي. لأن ما ينجح في عمّان اليوم، يمكن أن يُجرَّب في المنامة غداً: تصيّد يستهدف موظفاً في بنك، محاولة استيلاء على حساب عميل في تطبيق محفظة رقمية، أو هجمة تعطيل خدمات على بوابة دفع.
وهنا يدخل موضوع سلسلتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين. رأيي المباشر: إذا بقيت المؤسسات المالية تعتمد على قواعد ثابتة ومراجعات يدوية فقط، فهي تقاتل بسرعة أقل من سرعة الهجمات. الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية أمنية—هو شرط للقدرة على الصمود.
لماذا رقم الأردن مهم للبحرين تحديداً؟
الجواب المختصر: لأن أنماط التهديدات السيبرانية في المنطقة متشابهة، والقطاع المالي من أكثر القطاعات استهدافاً.
عند وصول الحوادث إلى مئات خلال ربع واحد في بلد واحد، فهذا يعني عملياً أن:
- التصيّد والاحتيال الرقمي ما زالا يحققان عائداً جيداً للمهاجمين.
- هناك “ضجيج” ضخم من التنبيهات، وغالباً يُرهق فرق الأمن وعمليات تقنية المعلومات.
- الجهات التي تُقدّم خدمات رقمية—وخاصة المالية—تعيش ضغطاً بين السرعة في إطلاق المنتجات وبين متطلبات الامتثال والأمان.
في البحرين، يتضاعف هذا المعنى بسبب طبيعة السوق: خدمات مصرفية رقمية، شركات تكنولوجيا مالية، واجهات برمجة تطبيقات (APIs)، وشراكات متعددة. كل واجهة تكامل إضافية تفتح مساحة للهجوم إن لم تُدار بحوكمة صارمة ومراقبة ذكية.
أسطورة شائعة: “نحن أصغر من أن نستهدف”
هذه الفكرة مكلفة. المهاجمون لا يستهدفون “الحجم” فقط؛ يستهدفون سهولة الوصول: كلمة مرور ضعيفة، جهاز غير مُحدّث، أو موظف تلقّى رسالة تبدو داخلية. في الخدمات المالية، يكفي نجاح هجمة واحدة لبدء سلسلة خسائر: احتيال، تعطل خدمات، أو تضرر سمعة.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الأمن في البنوك والتكنولوجيا المالية؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يجعل الاكتشاف والاستجابة أسرع، ويحوّل الأمن من ردّ فعل إلى توقّع مبكر.
في بيئات المال، المشكلة ليست نقص الأدوات، بل كثرة الإشارات: سجلات أنظمة، معاملات، سلوك مستخدمين، حركة شبكات، وأجهزة طرفية. البشر وحدهم لا يستطيعون الربط بين هذه البيانات في الوقت المناسب. الذكاء الاصطناعي يفعل ذلك عبر ثلاثة مسارات أساسية:
1) اكتشاف الشذوذ في المعاملات قبل حدوث الخسارة
بدلاً من الاعتماد على قواعد مثل “أوقف أي تحويل فوق مبلغ X”، يمكن نمذجة سلوك العميل والمؤسسة:
- وقت الاستخدام المعتاد
- الجهاز والموقع
- نمط التحويلات وتكرارها
- سلوك التطبيق (الضغط، التنقل، السرعة)
عندما تظهر معاملة “منطقياً صحيحة” لكنها سلوكياً غريبة، يرفع النظام درجة المخاطر فوراً.
جملة قابلة للاقتباس: الاحتيال الحديث لا يكسر القواعد دائماً؛ أحياناً يتسلّل داخلها.
2) تقليل الإرهاق من التنبيهات (Alert Fatigue)
العديد من مراكز العمليات الأمنية تُغرقها التنبيهات اليومية. الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- تجميع التنبيهات المتشابهة في حادثة واحدة
- ترتيب الأولويات حسب أثرها على الأعمال
- اقتراح خطوات استجابة بناءً على سوابق
هذا ليس “ترفاً إدارياً”. إنه فرق بين استجابة خلال دقائق أو ساعات.
3) أتمتة الاستجابة للحوادث (SOAR) بشكل آمن
في حالات واضحة (مثل محاولة تسجيل دخول من دولة غير معتادة مع سلوك آلي)، يمكن للأتمتة تنفيذ إجراءات فورية:
- إيقاف الجلسة
- فرض إعادة تحقق قوية (MFA)
- حظر عنوان IP أو نطاق بريد مشبوه
- فتح تذكرة وتحويلها للمعنيين
المهم هنا هو “الحوكمة”: ما الذي يُؤتمت بالكامل، وما الذي يحتاج موافقة بشرية؟
سيناريو واقعي: من رسالة تصيّد إلى حادثة مالية خلال ساعة
الجواب: هذا التسلسل يحدث كثيراً لأن نقطة البداية غالباً “بشرية” وليس تقنية.
تخيّل هذا السيناريو في مؤسسة مالية:
- موظف يستلم بريداً يشبه رسالة من قسم الموارد البشرية.
- يضغط رابطاً ويدخل بياناته في صفحة مزيفة.
- تُستخدم بياناته للوصول إلى بريد داخلي أو نظام تذاكر.
- يبدأ المهاجم بمراسلات داخلية لطلب تحويل/تغيير بيانات مستفيد.
الذكاء الاصطناعي يقطع السلسلة إذا كان مُدمجاً في نقاط متعددة:
- اكتشاف لغة وتصميم رسائل التصيّد (NLP) وتحذير المستخدم قبل النقر.
- تحليل سلوك تسجيل الدخول واكتشاف الانتقال المفاجئ بين مواقع/أجهزة.
- تحليل سياق الطلبات المالية: هل هذا الطلب يشبه طلبات هذا الموظف تاريخياً؟ هل المستفيد جديد؟ هل التوقيت غير منطقي؟
وجهة نظري: أقوى دفاع ليس “جداراً أعلى”، بل شبكة قرارات ذكية تمنع سلسلة الخطأ من التحول إلى خسارة.
ما الذي يجب على البحرين فعله الآن؟ خارطة طريق عملية للبنوك والفنتك
الجواب المختصر: ابدأوا من البيانات والحوكمة، ثم طبّقوا الذكاء الاصطناعي في حالات استخدام عالية الأثر.
لا تحتاج المؤسسة أن “تشتري ذكاء اصطناعي” كمنتج واحد. تحتاج برنامجاً واضحاً. هذه خطوات عملية تصلح كبداية خلال 90 يوماً:
1) حصر حالات الاستخدام ذات العائد الأعلى
اختَر 2–3 حالات فقط في البداية:
- مكافحة الاحتيال في المعاملات الرقمية
- كشف الاستيلاء على الحسابات (ATO)
- حماية واجهات
APIللتكامل مع شركاء ومدفوعات
2) توحيد مصادر البيانات (Data Layer) قبل أي نمذجة
الذكاء الاصطناعي بدون بيانات نظيفة يصبح مصنع إنذارات كاذبة. ركّز على:
- سجلات الدخول (IAM)
- سجلات التطبيقات والمعاملات
- بيانات الأجهزة الطرفية (EDR)
- سجلّات الشبكة و
API Gateway
3) “الحوكمة أولاً” للحد من المخاطر التنظيمية
في الخدمات المالية، لا يكفي أن يكون النموذج ذكياً؛ يجب أن يكون قابلاً للتفسير عند الحاجة:
- متى نرفض معاملة؟
- ما سبب رفع المخاطر؟
- كيف نتعامل مع التحيّز ضد شرائح معينة؟
ضع سياسات واضحة لـ:
- صلاحيات الوصول للبيانات
- الاحتفاظ بالسجلات
- اختبار النماذج ومراجعتها
4) دمج الأمن في تطوير المنتجات (DevSecOps)
شركات التكنولوجيا المالية تتحرك بسرعة. إذا جاء الأمن متأخراً، يصبح عائقاً. الأفضل:
- فحص تلقائي للثغرات في خطوط النشر
- اختبارات أمنية لواجهات
API - نمذجة تهديدات (Threat Modeling) قبل إطلاق ميزات جديدة
5) تدريب الفرق على “تشغيل الذكاء الاصطناعي” لا مجرد استخدامه
ما يحتاجه السوق هو مهارة تشغيلية:
- محلل أمن يفهم نماذج المخاطر
- فريق امتثال يفهم منطق التفسير
- فريق منتج يعرف كيف يوازن بين تجربة العميل واحتكاكات التحقق
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون: إجابات مباشرة
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال فرق الأمن؟
لا. يعني رفع إنتاجيتهم. أفضل نتيجة رأيتها في المؤسسات ليست “استغناء”، بل تحويل وقت الفريق من فرز التنبيهات إلى التحقيق والتحسين.
هل سيؤثر ذلك على تجربة العميل؟
إذا طُبق بذكاء، سيحسّنها. الفكرة أن التحقق الإضافي يُطبّق على الحالات عالية المخاطر فقط، بدل إزعاج الجميع.
ما الخطر الأكبر عند تبني الذكاء الاصطناعي للأمن؟
الخطر الأكبر هو التطبيق السريع بلا حوكمة: بيانات غير منضبطة، نموذج غير مُختبر، أو قرارات آلية بلا حدود واضحة.
لماذا هذه اللحظة تحديداً مناسبة للبحرين؟
الجواب: لأن التحول الرقمي وصل مرحلة تتطلب “تحولاً أمنياً” بالمستوى نفسه.
زيادة الحوادث السيبرانية في الأردن خلال الربع الثالث من 2025 ليست قصة محلية؛ هي مؤشر إقليمي على أن الهجمات تتوسع وتتنوع. والبحرين—كمركز مالي يتطلع للنمو في الخدمات الرقمية—لديها فرصة لتبنّي نموذج أكثر نضجاً: أمن سيبراني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مدمج في العمليات، ومقاس على مخاطر المال.
إذا كنت تعمل في بنك، أو شركة تكنولوجيا مالية، أو فريق مخاطر وتشغيل في البحرين، فالسؤال العملي ليس: “هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: أي جزء من سلسلة الهجوم سنكسره أولاً—البريد؟ الدخول؟ المعاملة؟ أم واجهات الـ API؟