الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على النحاس: درس لفنتك البحرين

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرينBy 3L3C

توقعات S&P: الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على النحاس 50% بحلول 2040. ماذا يعني ذلك لبنية الفنتك والبنوك في البحرين؟ خطوات عملية للاستعداد.

الذكاء الاصطناعيالتكنولوجيا الماليةالبنوكمراكز البياناتسلاسل الإمدادحوكمة البيانات
Share:

الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على النحاس: درس لفنتك البحرين

في 08/01/2026 نشرت «رويترز» ملخصًا لتقرير من S&P Global يقول إن نمو الذكاء الاصطناعي والدفاع سيقودان زيادة الطلب العالمي على النحاس بنسبة 50% بحلول 2040. الرقم وحده كافٍ ليفسّر لماذا بدأت سلاسل الإمداد تُعامَل اليوم كقضية استراتيجية لا تقل أهمية عن الاستراتيجية التقنية نفسها.

ما علاقة النحاس بالخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين؟ العلاقة أوضح مما يظن كثيرون: الذكاء الاصطناعي ليس “برمجيات فقط”. خلف كل نموذج، ومركز بيانات، ومنصة تحليل مخاطر، يوجد كهرباء وكابلات وشبكات تبريد وبنية تحتية… وكلها تستهلك النحاس بكثافة. ما يحدث في أسواق النحاس يعلّمنا شيئًا عمليًا: إذا لم تخطط للبنية التحتية والموارد من البداية، ستكتشف متأخرًا أن طموحك الرقمي مقيد بعنق زجاجة مادي.

هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين»، وتركّز على “القصة الخفية” وراء الذكاء الاصطناعي: الموارد، وسلاسل الإمداد، وكيف يترجم ذلك إلى قرارات استثمار وبناء قدرات في البنوك وشركات الفنتك.

لماذا يرفع الذكاء الاصطناعي الطلب على النحاس أصلًا؟

السبب المباشر: توسّع مراكز البيانات والروبوتات والدفاع، وكلها تعتمد على كهرباء ونقل طاقة عالي الكثافة. تقرير S&P Global يتوقع أن يصل الطلب العالمي إلى 42 مليون طن متري سنويًا بحلول 2040 مقابل 28 مليون طن متري في 2025. وإذا لم تظهر مصادر إمداد جديدة عبر التعدين وإعادة التدوير، فقد يبقى ما يقارب ربع الطلب غير ملبّى—فجوة ضخمة في سوق سلعة أساسية.

مراكز البيانات: “مصانع كهرباء” بهيئة رقمية

الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديدًا يدفع موجة مراكز بيانات جديدة. ووفق ما أوردته «رويترز» في سياق التقرير، تم الإعلان عن أكثر من 100 مشروع مركز بيانات خلال العام الماضي بقيمة تقترب من 61 مليار دولار. هذه المشروعات ليست رفوف خوادم فقط؛ إنها:

  • شبكات توزيع طاقة داخلية وخارجية
  • كابلات نحاسية/موصلات ومحوّلات
  • أنظمة تبريد عالية الاستهلاك للطاقة
  • بنية اتصالات تربط مراكز البيانات بالمدن والمؤسسات

الدفاع والروبوتات: طلب “غير مرن”

التقرير يذكر أن الإنفاق الدفاعي المتزايد عالميًا يجعل الطلب على النحاس أقرب إلى غير المرن: لا يمكنك “استبدال” النحاس بسهولة في كثير من التطبيقات الكهربائية الحساسة. هذا عامل مهم لأنه يضيف طبقة من الضغط على السوق، حتى لو تباطأت قطاعات أخرى.

جملة تستحق أن تُعلّق في غرف اجتماعات التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي لا ينمو على شاشات العرض… بل على أسلاك الطاقة.

من مناجم النحاس إلى “مناجم البيانات”: التشابه الذي يهم البحرين

في القطاع المالي، نستخدم مصطلحات مثل “تنقيب البيانات” و“إثراء البيانات” و“حوكمة البيانات”. لكن الواقع أن هناك تشابهًا إداريًا واستثماريًا بين التعدين التقليدي وبناء منظومات البيانات.

1) الاستكشاف قبل الإنتاج

شركة تعدين ناجحة لا تبدأ بالحفر قبل دراسات الجدوى. كذلك، بنك أو شركة فنتك لا يجب أن تبدأ بتوسيع نماذج الذكاء الاصطناعي قبل أن تجيب بوضوح:

  • ما البيانات المتاحة؟ ما جودتها؟
  • ما القيود التنظيمية وحقوق الاستخدام؟
  • ما تكلفة التشغيل (Compute) على 12–24 شهرًا؟

2) سلاسل إمداد… لكن رقمية

إذا كان النحاس يحتاج تعدينًا وصهرًا وشحنًا، فالذكاء الاصطناعي يحتاج:

  • بيانات (مصادر/تحديث/تكامل)
  • قدرة حوسبة (سحابة/مراكز بيانات)
  • طاقة (تكلفة/استقرار)
  • مهارات (علم بيانات، أمن سيبراني، امتثال)

أي حلقة ضعيفة ستظهر في تجربة العميل: تأخر في الاستجابة، رفض خاطئ لعملية، أو توصية ائتمانية لا يمكن تفسيرها.

3) إعادة التدوير = إعادة استخدام البيانات

تقرير S&P يشير إلى أن سد فجوة النحاس يحتاج إعادة تدوير أكثر. في البنوك، “إعادة التدوير” تعني شيئًا قريبًا: إعادة استخدام البيانات والنماذج والأدوات بدل بناء كل شيء من الصفر.

أكثر ما رأيته ينجح عمليًا هو إنشاء “مكتبة نماذج” داخلية:

  • نموذج اكتشاف الاحتيال
  • نموذج تقسيم العملاء
  • نموذج احتمالية التعثر

ثم تحديثها وتعميمها على قنوات متعددة (تطبيق، مركز اتصال، فروع) وفق حوكمة واضحة.

ماذا يعني ذلك عمليًا لقطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين؟

الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي في البحرين لن يتوسع بأمان وبسرعة إلا إذا تعاملت المؤسسات مع البنية التحتية الرقمية كأصل استثماري، لا كمصاريف تقنية.

البنية التحتية الرقمية هي “النحاس” الخاص بالفنتك

النحاس هو شرط مسبق للكهرباء. وفي الفنتك، شرط النجاح المسبق هو:

  • هندسة بيانات قوية (Data pipelines)
  • هوية رقمية وإدارة صلاحيات (IAM)
  • أمن سيبراني يستوعب نماذج الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد البرمجية
  • قابلية التوسع في الحوسبة والواجهات (APIs)

أي مبادرة “مساعد ذكي لخدمة العملاء” أو “تقييم ائتماني بالذكاء الاصطناعي” بدون هذه الأسس ستبدو جذابة في العرض التقديمي، لكنها ستتعب الفريق في التشغيل اليومي.

أين تظهر الفرصة في البحرين؟

البحرين مركز مالي نشط، ومع توسع الخدمات الرقمية، تصبح المنافسة على:

  • سرعة الإطلاق
  • جودة تجربة العميل
  • دقة إدارة المخاطر

الذكاء الاصطناعي يمنح أفضلية واضحة، لكن الأفضلية لا تأتي من النموذج وحده، بل من تشغيله ضمن إطار امتثال وبيانات وبنية تحتية.

خطة من 5 خطوات: كيف تستعد البنوك والفنتك لمرحلة الذكاء الاصطناعي التالية؟

هذه ليست قائمة أمنيات؛ هذه خطوات تنفيذية تقلل “مفاجآت البنية التحتية” لاحقًا.

1) احسب «تكلفة الذكاء الاصطناعي الكاملة» وليس تكلفة المشروع

احسب التكلفة على 12 شهرًا على الأقل، وتشمل:

  • التدريب/الاستدلال (Training/Inference)
  • التخزين والنقل
  • المراقبة (Monitoring) وجودة البيانات
  • الامتثال، والتدقيق، وإدارة المخاطر

نصيحة عملية: ضع بندًا منفصلًا لتكلفة “الاستدلال” لأن كثيرًا من المؤسسات تكتشف أن الاستخدام اليومي هو الذي يرفع الفاتورة.

2) ابنِ خارطة اعتماد على المورّدين (Vendor Dependency Map)

كما يعتمد النحاس على دول تعدين وصهر، تعتمد حلول الذكاء الاصطناعي على مزودين للسحابة، ونماذج جاهزة، وأدوات أمن.

اسأل:

  • ما العناصر التي إذا تعطل مزودها سيتوقف المنتج؟
  • هل يوجد بديل قابل للتفعيل خلال 30 يومًا؟
  • ما خطة الخروج (Exit plan)؟

3) اجعل «حوكمة البيانات» شرطًا للسرعة، لا عائقًا لها

حوكمة البيانات ليست مستندات. هي قواعد تشغيل واضحة:

  • مالك البيانات (Data owner)
  • تعريفات موحدة (مثل: ما تعريف “عميل نشط”؟)
  • سجلات تتبع (Lineage)

النتيجة: فرق المنتجات تعمل أسرع لأنهم لا يختلفون على معنى الأرقام.

4) ركّز على حالات استخدام تربط “القيمة” بـ“المخاطر”

في البحرين، أكثر الحالات واقعية وعائدًا عادةً:

  • مكافحة الاحتيال (تقليل الخسائر)
  • اعرف عميلك KYC (تقليل زمن فتح الحساب)
  • خدمة العملاء الذكية (خفض تكلفة المكالمة ورفع الرضا)
  • تخصيص العروض (رفع التحويلات)

ابدأ بحالة واحدة، ثم صممها كمنصة قابلة للتوسع.

5) اختبر القابلية للتوسع قبل إطلاق واسع

نفّذ اختبار ضغط ليس فقط للـ API، بل أيضًا لـ:

  • جودة البيانات تحت الأحمال
  • زمن الاستجابة في ساعات الذروة
  • سلوك النموذج مع بيانات جديدة (Drift)

هذا يشبه اختبار شبكة كهربائية قبل ربط حيّ كامل.

أسئلة شائعة يبحث عنها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل ارتفاع الطلب على النحاس يهم مؤسسة مالية لا تصنّع أجهزة؟

نعم، لأنه مؤشر على ضغط البنية التحتية العالمية: طاقة، مراكز بيانات، معدات شبكات. هذا يترجم إلى تكاليف تشغيل أعلى واحتمال تأخر في توفر قدرات الحوسبة.

هل الحل هو بناء مركز بيانات محلي؟

ليس بالضرورة. الأهم هو تصميم معماري مرن: سحابة هجينة عند الحاجة، وتوزيع أحمال، وخيارات متعددة للمورّدين، وإدارة تكلفة محكمة.

ما “الخطأ” الأكثر شيوعًا في مشاريع الذكاء الاصطناعي في البنوك؟

تركيز مبالغ فيه على النموذج وإهمال ثلاثية التشغيل: البيانات + الامتثال + الاستمرارية.

أين تتجه الأمور بين 2026 و2040؟

الرسالة التي يرسلها تقرير S&P Global واضحة: الطلب على النحاس سيزيد مع الذكاء الاصطناعي، وقد تظهر فجوة سنوية تتجاوز 10 ملايين طن متري بدون توسيع التعدين وإعادة التدوير. هذه ليست قصة معادن فقط؛ إنها قصة تخطيط لقدرات الاقتصاد الرقمي.

بالنسبة للبحرين، أفضل طريقة لقراءة هذه القصة هي كالتالي: إذا كانت “أسلاك الكهرباء” عالميًا تحت ضغط، فالمؤسسات المالية تحتاج أن تكون أكثر انضباطًا في استهلاكها للحوسبة، وأكثر ذكاءً في اختيار حالات الاستخدام، وأكثر جدية في بناء الأساس (بيانات، أمن، حوكمة).

الخطوة التالية التي أنصح بها: قيّم مبادرات الذكاء الاصطناعي لديك كما لو كنت تدير سلسلة إمداد. حدّد الاختناقات مبكرًا—قبل أن تصبح تكلفة التوسع أعلى من قيمة التوسع.

إذا كان الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على النحاس 50%، فالسؤال المحلي ليس “متى نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: هل بنيتنا التحتية الرقمية جاهزة لتوسّع سريع دون مفاجآت؟