توقعات S&P: طلب النحاس سيرتفع 50% بحلول 2040 بسبب الذكاء الاصطناعي. تعرّف كيف يؤثر ذلك على فنتك البحرين وخطط البنية التحتية.

الذكاء الاصطناعي يرفع طلب النحاس: ماذا يعني لفنتك البحرين؟
قبل أيام فقط، توقّعت شركة S&P Global أن يرتفع الطلب العالمي على النحاس بنسبة 50% بحلول 2040، ليصل إلى 42 مليون طن سنوياً مقارنةً بـ 28 مليون طن في 2025. الرقم يبدو بعيداً عن عالم البنوك والتكنولوجيا المالية في البحرين… لكنه في الحقيقة يخصّه مباشرة.
لأن الذكاء الاصطناعي الذي تتسابق مؤسسات الخدمات المالية لاعتماده—من روبوتات خدمة العملاء إلى نماذج كشف الاحتيال—لا يعمل في الفراغ. هو يعتمد على مراكز بيانات، شبكات كهرباء، تبريد، وأجهزة. وكل ذلك في النهاية يحتاج إلى معادن موصلة للكهرباء، وعلى رأسها النحاس.
هذه المقالة جزء من سلسلة "كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين"، لكننا سنأخذ زاوية مختلفة: الأثر غير المباشر للذكاء الاصطناعي على البنية التحتية والموارد، ولماذا على قادة الفنتك والقطاع المالي التفكير في هذا الموضوع كجزء من التخطيط الاستراتيجي—not كخبر صناعي بعيد.
موجز سريع: لماذا يتزايد الطلب على النحاس بسبب الذكاء الاصطناعي؟
السبب المباشر هو أن الذكاء الاصطناعي يستهلك بنية تحتية كهربائية هائلة، والنحاس هو معدن الكهرباء بامتياز. تقرير S&P Global يربط نمو الطلب على النحاس بتوسع قطاعات الذكاء الاصطناعي والدفاع والروبوتات، إضافة إلى استمرار الطلب التقليدي من البناء والنقل والأجهزة المنزلية.
النقطة الأكثر وضوحاً في التقرير: من دون زيادة في إعادة التدوير والتعدين، قد يظل أكثر من 10 ملايين طن سنوياً من الطلب غير مُلبّى، أي ما يقارب ربع احتياجات 2040.
جملة تستحق أن تُحفظ: «النحاس هو معدن كهربة العالم». هذا توصيف S&P لجوهر المشكلة.
مراكز البيانات هي حلقة الضغط الأساسية
توسّع الذكاء الاصطناعي مرتبط بمراكز بيانات جديدة وباستثمارات كبيرة. وبشكل عام، مراكز البيانات ليست “سيرفرات فقط”، بل منظومة كهرباء وتبريد وكابلات ومحولات، وكلها ترفع استهلاك النحاس.
بالنسبة للقطاع المالي، هذا ليس تفصيلاً تقنياً. كل مشروع ذكاء اصطناعي على نطاق مصرفي—خصوصاً مشاريع التحليلات الفورية، وLLM لخدمة العملاء، والرصد اللحظي للمدفوعات—يدفع الطلب على قدرة حوسبية أعلى، وبالتالي على بنية تحتية أضخم.
الرابط الذي يتجاهله كثيرون: فنتك البحرين جزء من سلسلة إمداد عالمية
الفكرة الأساسية: اعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية لا يعني فقط شراء برنامج—بل الدخول في سباق عالمي على القدرة الحاسوبية والطاقة والمكوّنات. وعندما تضيق سلاسل الإمداد (سواء بسبب نقص النحاس أو ارتفاع تكلفته)، تظهر آثار ملموسة على المؤسسات المالية:
- تكلفة البنية التحتية ترتفع: توسعة مراكز البيانات، الكابلات، البنية الكهربائية، وحتى تجهيزات المكاتب الذكية.
- مواعيد التنفيذ تتأخر: أي اختناقات في الكابلات/المحوّلات/التجهيزات الكهربائية قد تؤخر تشغيل منصات جديدة.
- الميزانيات تصبح أكثر تقلباً: مشاريع الذكاء الاصطناعي قد تبدو ثابتة التكاليف في مرحلة التخطيط، ثم تتغير بسبب عناصر لا تُحسب عادة.
في البحرين—كمركز مالي إقليمي—الميزة ليست فقط في التنظيم والابتكار. الميزة أيضاً في القدرة على التنفيذ السريع. وأي تباطؤ في مكونات البنية التحتية قد ينعكس على سرعة إطلاق منتجات فنتك جديدة.
“لكن نحن لا نبني مناجم”… صحيح، ومع ذلك لديك قرار مهم
القطاع المالي لن يحل فجوة التعدين، لكنه يملك قراراً مؤثراً: كيف يختار نموذج التشغيل للذكاء الاصطناعي.
هل تبني كل شيء داخلياً؟ هل تعتمد على مزود سحابة؟ هل تستخدم حلولاً هجينة؟ هذه خيارات تبدو تقنية، لكنها في 2026 أصبحت أيضاً خيارات إدارة مخاطر مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
كيف يغيّر هذا التخطيط للذكاء الاصطناعي داخل البنوك والفنتك في البحرين؟
الإجابة المختصرة: ضع “مخاطر البنية التحتية والموارد” داخل حوكمة الذكاء الاصطناعي، وليس على هامشها. كثير من الشركات تضع حوكمة للبيانات والنماذج والامتثال، لكنها تنسى الحوسبة والطاقة.
1) من “مشروع نموذج” إلى “محفظة قدرة حوسبية”
بدلاً من التعامل مع كل حالة استخدام (Use Case) كملف منفصل، تعامل معها كمحفظة تتنافس على موارد محدودة: GPU، تخزين، شبكات، طاقة.
عملياً، هذا يعني أن لجنة الذكاء الاصطناعي أو التحول الرقمي في المؤسسة المالية يجب أن تسأل:
- ما حجم الاستهلاك المتوقع للحوسبة والطاقة لكل نموذج؟
- ما “سعر” تشغيل النموذج شهرياً عند التوسع؟
- هل توجد خطة لتقليل الحمل عبر تحسينات مثل
model distillationأوcaching؟
هذه الأسئلة ليست رفاهية. عندما تزيد تكلفة البنية التحتية في العالم، يصبح ضبط التشغيل ميزة تنافسية.
2) إعادة التفكير في مكان تشغيل الذكاء الاصطناعي (On-prem vs Cloud vs Hybrid)
في البحرين، بعض الحالات الحساسة (بيانات مصرفية، امتثال، سيادة البيانات) قد تدفع نحو تشغيل داخلي أو هجين. لكن ضغط التكلفة والقدرة قد يدفع في الاتجاه الآخر.
المقاربة الواقعية التي أفضّلها: هجين ذكي:
- تشغيل البيانات الحساسة وعمليات التحقق داخلياً.
- تشغيل نماذج المساعدة العامة/الدعم أو النماذج الأقل حساسية على سحابة موثوقة.
- بناء طبقة مراقبة موحدة للتكلفة والأمان عبر البيئتين.
بهذا الشكل، تقلل اعتمادك على توسعات كهربائية وكابلات داخلية مستمرة، وتستفيد من اقتصاديات الحجم عند مزودي السحابة.
3) إدخال “تكلفة الموارد” في نموذج العائد على الاستثمار ROI
أغلب فرق الأعمال تحسب ROI عبر زيادة الإيرادات أو تقليل التكلفة التشغيلية. جيد. لكن مع الذكاء الاصطناعي يجب إضافة عناصر مثل:
- تكلفة القدرة الحوسبية على مدى 12–24 شهراً
- تكلفة التوسع (Scaling) عند زيادة عدد العملاء أو القنوات
- تكلفة الامتثال والأمن السيبراني المصاحب
عندما تتوقع تقارير مثل تقرير S&P فجوة سنوية تتجاوز 10 ملايين طن في النحاس بحلول 2040، فهذا يذكّرنا أن تكلفة المكوّنات الكهربائية ليست ثابتة للأبد. إدخال هذا المتغير في ROI يحمي قراراتك من التفاؤل الزائد.
من الدفاع إلى التمويل: لماذا “الطلب غير المرن” يهم البحرين؟
نقطة قوية في تقرير S&P: الطلب على النحاس في قطاع الدفاع “غير مرن”. أي أن الحكومات تنفق بغض النظر عن الأسعار، ما يعني أن سلاسل الإمداد قد تُسحب باتجاه قطاعات ذات أولوية سياسية.
بالنسبة للقطاع المالي والتكنولوجيا المالية في البحرين، الدرس ليس سياسياً بل عملي:
- عندما تتنافس قطاعات “غير مرنة” على الموارد، ترتفع الأسعار على الجميع.
- أي خطة ذكاء اصطناعي تعتمد على توسعات بنية تحتية كبيرة يجب أن تضع سيناريوهات: ماذا لو ارتفعت تكاليف التجهيزات/التوصيلات؟ ماذا لو طال زمن التوريد؟
وهنا تظهر قيمة التخطيط المبكر: المؤسسات التي تضبط أحمالها وتستخدم نماذج أكثر كفاءة وتبني شراكات تشغيلية أفضل ستتقدم.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الفنتك (وإجابات مباشرة)
هل ارتفاع الطلب على النحاس سيؤثر فعلاً على مشاريع الذكاء الاصطناعي في البحرين؟
نعم، لكن بشكل غير مباشر. التأثير يظهر في تكلفة مراكز البيانات، الشبكات، التجهيزات الكهربائية، وزمن التوريد. وهذه تؤثر على سرعة إطلاق الخدمات الرقمية.
ما أفضل طريقة لتقليل الاعتماد على توسعات بنية تحتية مكلفة؟
التركيز على كفاءة النماذج (نماذج أصغر عند الحاجة)، واستخدام هندسة هجينة، وتفعيل مراقبة التكلفة التشغيلية منذ اليوم الأول.
هل هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي صار “مكلفاً أكثر من اللازم”؟
لا. الذكاء الاصطناعي ما زال مجدياً في التمويل—خصوصاً في كشف الاحتيال، وأتمتة خدمة العملاء، وتحسين قرارات الائتمان—لكن الربح الحقيقي يأتي لمن يدير التكلفة والحوسبة مثلما يدير المخاطر والامتثال.
ما الذي أنصح به الآن (01/2026) لمؤسسات البحرين المالية؟
ابدأوا بتعامل بسيط: اعتبروا البنية التحتية جزءاً من استراتيجية الذكاء الاصطناعي، لا مجرد “تفصيل تقني”. ثم نفّذوا هذه الخطوات خلال الربعين القادمين:
- تدقيق أحمال الذكاء الاصطناعي الحالية والمتوقعة: ما الذي يستهلك حوسبة فعلاً؟ وما الذي يمكن تبسيطه؟
- توحيد لوحة قياس (Dashboard) للتكلفة: تكلفة التدريب والتشغيل لكل نموذج، مع تنبيهات عند تجاوز العتبات.
- اعتماد سياسة “الكفاءة أولاً”: لا تستخدم نموذجاً ضخماً لحالة استخدام لا تحتاجه.
- التفاوض بعقود سحابة أكثر ذكاء: تسعير مرن، وخيارات توسعة واضحة، وبنود تتعلق بزمن التوريد والدعم.
- تفعيل سيناريوهات مخاطر سلسلة الإمداد: حتى لو كانت على مستوى تقديري، المهم أن تكون موجودة في القرار.
جملة مختصرة تفيد في العروض الداخلية: «مشروع الذكاء الاصطناعي لا ينجح بالنموذج فقط—ينجح عندما تُدار الحوسبة والطاقة والامتثال كمنظومة واحدة».
أين يلتقي هذا مع قصة البحرين في الفنتك؟
البحرين تبني سمعتها كمركز للخدمات المالية الرقمية عبر التنظيم المرن، بيئات التجربة، وتبني الابتكار. ومع 2026، الرهان يتوسع: من يطبّق الذكاء الاصطناعي بسرعة وبحوكمة واضحة وبكلفة قابلة للسيطرة سيكسب ثقة السوق.
التقارير التي تتحدث عن النحاس ليست بعيدة عن هذا الرهان. هي تقول شيئاً واحداً بصوت عالٍ: الذكاء الاصطناعي “مادي” بقدر ما هو “رقمي”. كابلات وطاقة ومراكز بيانات، ثم نماذج وواجهات وتجارب عميل.
إذا كنت تقود بنكاً أو شركة فنتك في البحرين، السؤال الذي يستحق أن تطرحه هذا الأسبوع: هل خطتنا للذكاء الاصطناعي مبنية على افتراض أن البنية التحتية ستبقى سهلة ورخيصة؟ أم أننا بنينا خطة تعيش في عالم تنافس فيه قطاعات عديدة على نفس الموارد؟