كيف تمهّد ثقافة الموارد البشرية الطريق للذكاء الاصطناعي

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرينBy 3L3C

تفوق NBK في الموارد البشرية والمسؤولية الاجتماعية يكشف ما يلزم لنجاح الذكاء الاصطناعي في البنوك. دروس عملية قابلة للتطبيق في البحرين.

الذكاء الاصطناعيالبنوكالموارد البشريةالمسؤولية الاجتماعيةالفنتكالبحرين
Share:

كيف تمهّد ثقافة الموارد البشرية الطريق للذكاء الاصطناعي

في 08/01/2026 حصل بنك الكويت الوطني (NBK) على سبع جوائز من Brandon Hall Group في مجالات المسؤولية الاجتماعية والموارد البشرية. الرقم وحده لافت، لكن الدلالة الأهم ليست “جوائز إضافية على الرف”. الدلالة أن البنك بنى منظومة عمل تُقاس نتائجها: برامج للتثقيف المالي وصلت إلى أكثر من 50,000 متعلّم، ومبادرات رفاه الموظفين سجّلت أكثر من 4,300 زيارة لعيادة وفعاليات داخلية في عام واحد، وفعالية مجتمعية شارك فيها أكثر من 7,000 شخص في 2025. هذه أرقام “تشبه لغة البيانات” التي يحتاجها أي مشروع ذكاء اصطناعي كي ينجح.

وهنا تأتي زاوية هذه المقالة ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين»: كثيرون يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي في البنوك وكأنه قرار تقني—شراء منصة، بناء نموذج، وتعيين فريق. الواقع؟ أغلب مبادرات الذكاء الاصطناعي تتعثر لأسباب بشرية: بيانات غير منضبطة، مقاومة تغيير، ضعف حوكمة، أو غياب رابط واضح بين التقنية وتجربة العميل. لذلك، عندما نقرأ عن تميّز NBK في الموارد البشرية والمسؤولية الاجتماعية، من المفيد أن نقرأه كـ مؤشر جاهزية لتبنّي الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وقابلة للتوسع—وكنقطة مقارنة ملهمة للبنوك وشركات الفنتك في البحرين.

الجوائز ليست هدفًا… بل “إشارة جاهزية” للابتكار

الجوائز السبع التي نالها NBK تُظهر شيئًا محددًا: قدرة المؤسسة على تصميم برامج، تنفيذها، ثم قياس أثرها. ومعايير Brandon Hall—بحسب البيان—تركّز على ملاءمة البرامج لاحتياجات العمل والموظفين، جودة التصميم والابتكار ووضوح الأهداف، فعالية التنفيذ والأدوات، ثم النتائج القابلة للقياس.

هذه نفس الركائز التي تحكم نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية:

  • ملاءمة الاستخدام: هل يحل الذكاء الاصطناعي مشكلة واضحة (مثل تقليل زمن فتح الحساب أو خفض الاحتيال)؟
  • وضوح الهدف: ما المؤشر الذي سنُحسّنه تحديدًا (زمن الاستجابة، دقة التنبؤ، تكلفة الخدمة)؟
  • جودة التنفيذ: بيانات، تكامل أنظمة، تدريب فرق العمل، وحوكمة.
  • أثر قابل للقياس: نتائج قبل/بعد، وتجارب A/B، ومراقبة انحراف النموذج.

جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي في البنوك لا ينجح لأن النموذج “ذكي”، بل لأن المؤسسة جاهزة لقياس الأثر وإدارة التغيير.

الموارد البشرية هي نقطة البداية لتبنّي الذكاء الاصطناعي في البنوك

أي بنك يريد إدخال الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء أو الامتثال أو الائتمان سيواجه سؤالين صريحين: من سيشغّل الحل؟ ومن سيُحاسَب على نتائجه؟ هنا يظهر دور الموارد البشرية.

NBK حصد جوائز في مجالات مثل استقطاب المواهب، المشاركة الوظيفية، تنقّل المواهب، والعلامة الوظيفية، إضافة إلى برامج مثل “Your Voice Matters” (استبيان نصف سنوي) و“MVP” للتقدير، و“NBK RISE” لتمكين القيادات النسائية. هذه عناصر تُترجم—عند ربطها بالذكاء الاصطناعي—إلى ثلاث فوائد عملية:

1) إدارة التغيير: الناس قبل الأدوات

عندما تُدخل مؤسسة مساعدًا افتراضيًا (Chatbot) أو نظامًا للتنبؤ بالتعثر الائتماني، ستتغير أدوار الموظفين: موظفو الفروع، فرق خدمة العملاء، محللو المخاطر. البرامج التي تُشرك الموظفين وتسمح لهم بالتغذية الراجعة بشكل منتظم تقلّل مقاومة التغيير وتزيد فرص التبنّي الفعلي.

تطبيق عملي في البحرين: إذا كان بنك بحريني يطلق مساعدًا ذكيًا لخدمة العملاء بالعربية، فالأولوية ليست “واجهة دردشة جميلة”. الأولوية أن تُدرَّب فرق الخدمة على:

  • متى يعتمدون على المساعد ومتى يتدخل الإنسان.
  • كيف يلتقطون أخطاء المساعد ويرفعونها كحالات تدريب.
  • ما لغة التواصل التي تحافظ على الثقة والخصوصية.

2) بناء مهارات البيانات داخل المؤسسة

الذكاء الاصطناعي يحتاج مهارات لا تُحصر في علماء البيانات فقط. تحتاج “مُلاك المنتج” (Product Owners) يفهمون رحلة العميل، وفرق امتثال تفهم مخاطر النماذج، وموظفي عمليات لديهم حس رقمي.

برامج “تنقّل المواهب” التي تُسهّل انتقال الموظفين بين الوظائف تساعد على بناء فرق هجينة: شخص من المخاطر يتعلم المنتج الرقمي، وشخص من خدمة العملاء يتعلم تحليل الشكاوى وتصنيفها.

3) الشمول والتنوّع يقللان مخاطر الانحياز

فوز NBK بجائزة في التنوّع والإنصاف والشمول يلفت إلى نقطة غالبًا تُهمَل في مشاريع الذكاء الاصطناعي: النماذج تتأثر بما تغذّيه من بيانات وبمن يصمّمها ويختبرها.

في الخدمات المالية، أي انحياز غير مُدار قد يظهر في:

  • رفض ائتماني غير متوازن لفئات معينة.
  • تجربة رقمية لا تراعي كبار السن أو ذوي الإعاقة.
  • مساعد افتراضي لا يفهم لهجات عربية مختلفة.

وجود فرق متنوعة + آليات قياس داخلية + قنوات صوت الموظف… يقلّل هذه المخاطر بشكل ملموس.

المسؤولية الاجتماعية + الذكاء الاصطناعي: الشمول المالي ليس شعارًا

NBK فاز بالذهب في المسؤولية الاجتماعية، مع أمثلة واضحة مثل برنامج Bankee للتثقيف المالي (أكثر من 50,000 متعلّم)، ومبادرات مجتمعية، وحملات رمضانية، ودمج ذوي الإعاقة في فعاليات مثل NBK Run، وبرامج بيئية بمشاركة 276 شابًا وشابة.

عند نقل هذه الزاوية إلى البحرين، تظهر فرصة مباشرة: استخدام الذكاء الاصطناعي لتعميق الشمول المالي والرقمي—ليس كتبرع، بل كتصميم خدمة.

أمثلة “شمول مالي بالذكاء الاصطناعي” يمكن تطبيقها في البحرين

  • مساعد مالي شخصي داخل تطبيق البنك يشرح المصطلحات ويقترح ميزانية شهرية بسيطة بالعربية.
  • تجزئة العملاء (Segmentation) بطريقة تحترم الخصوصية لتقديم عروض ادخار صغيرة تناسب رواتب مختلفة.
  • كشف مبكر للاحتيال يقلّل خسائر العملاء ويزيد الثقة بالمدفوعات الرقمية.
  • دعم صوتي للعميل بدل الاعتماد الكامل على النص، لمساعدة فئات قد تواجه صعوبة في القراءة أو الكتابة.

نقطة موقف: إذا كان الهدف جذب عملاء جدد، فإن أفضل “حملة” ليست إعلانًا أقوى، بل تجربة رقمية تُشعرك أنها تفهمك وتحميك وتوفّر وقتك.

ما الذي يمكن أن تتعلّمه بنوك وفنتك البحرين من تجربة NBK؟

الانتقال من تكريم البرامج إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي يحتاج قواعد تشغيل واضحة. هذه أربع خطوات عملية رأيت أنها تفصل بين المؤسسات التي “تجرب” والمؤسسات التي “تنتج”:

1) اربط كل مشروع ذكاء اصطناعي بمؤشر أعمال واحد

اختَر مؤشرًا واحدًا لكل مبادرة في البداية، مثل:

  • خفض زمن الرد في مركز الاتصال بنسبة محددة.
  • تقليل حالات الاحتيال المؤكدة.
  • رفع نسبة إكمال فتح الحساب رقميًا.

ثم حدّد خط أساس (Baseline) قبل الإطلاق. بدون ذلك، ستتحول “الذكاء الاصطناعي” إلى قصة جميلة بلا أثر.

2) صمّم “مسار إنسان-داخل-الحل” (Human-in-the-loop)

في البنوك، لا يكفي أن يقرر النموذج. يجب أن يكون هناك مسار واضح للتدخل البشري، خاصة في:

  • قرارات الائتمان.
  • شكاوى العملاء الحساسة.
  • إشارات الاشتباه بالاحتيال.

3) اجعل الموارد البشرية شريكًا رسميًا في الحوكمة

بدل أن يكون مشروع الذكاء الاصطناعي محصورًا في قسم التقنية، أشرك الموارد البشرية في:

  • تحديد المهارات المطلوبة.
  • تصميم التدريب والتحفيز.
  • قياس تبنّي الموظفين للحلول.
  • تحديث توصيفات الوظائف والمسارات المهنية.

4) ابدأ بحالات استخدام “قريبة من العميل”

أفضل نقطة بداية غالبًا هي التي تلمس تجربة العميل مباشرة وبمخاطر أقل:

  • تصنيف الاستفسارات والشكاوى تلقائيًا.
  • مساعد افتراضي للإجابات العامة ومتابعة الطلبات.
  • تحليل صوت العميل (VoC) من المكالمات/الدردشات لاستخراج أكثر أسباب الإزعاج.

أسئلة شائعة في البحرين: هل الذكاء الاصطناعي سيقلّل الوظائف البنكية؟

الإجابة الأقرب للواقع: سيُغيّر طبيعة الوظائف أكثر مما يُلغيها—خصوصًا في الخدمات المالية. الأعمال المتكررة ستنخفض، لكن سيزيد الطلب على وظائف مثل:

  • محلل جودة بيانات.
  • مسؤول حوكمة نماذج (Model Governance).
  • مصمم تجربة محادثة باللغة العربية.
  • مدرب نماذج ومشرف سلامة محتوى.

الفرق الحقيقي بين بنك يتضرر وبنك يستفيد هو: هل لديه برامج تطوير وتقييم ومكافأة تُساعد الموظفين على الانتقال لهذه الأدوار؟ هنا بالضبط يصبح تميّز الموارد البشرية “ميزة تنافسية” وليس ملفًا إداريًا.

ماذا يعني ذلك لسلسلة البحرين؟ خطوة عملية للبدء هذا الربع

إذا كنت تعمل في بنك أو شركة فنتك في البحرين وتفكر في الذكاء الاصطناعي، لا تبدأ بسؤال: “ما المنصة التي نشتريها؟”. ابدأ بسؤالين:

  1. ما العملية التي تزعج العملاء أكثر اليوم؟ (تأخير، تكرار طلبات، غموض رسوم، صعوبة تفعيل)
  2. ما البيانات التي نملكها فعلًا لقياس التحسّن؟ (أزمنة، معدلات، أسباب اتصال)

ثم ابنِ مشروعًا صغيرًا خلال 6–10 أسابيع يقيس أثرًا واحدًا بوضوح. بعد ذلك فقط يصبح التوسّع منطقيًا.

في النهاية، خبر حصول NBK على سبع جوائز ليس خبرًا “كويتيًا” فقط؛ هو تذكير بأن البنوك التي تستثمر في الناس، وتتعامل مع المسؤولية الاجتماعية كجزء من التصميم، تكون غالبًا الأقدر على تبنّي الذكاء الاصطناعي بطريقة تزيد الثقة وتُحسن الخدمة.

ما المبادرة الأقرب لواقع مؤسستك في البحرين: تحسين خدمة العملاء بالذكاء الاصطناعي أم إدارة المخاطر والامتثال؟