الذكاء الاصطناعي في بنوك البحرين يعتمد على البيانات أكثر من النماذج. تعرّف كيف تتعايش أنظمة COBOL مع التحديث التدريجي لتسريع الابتكار بأمان.
الذكاء الاصطناعي في بنوك البحرين: حين يقود COBOL البيانات
قبل أن نتحدث عن روبوتات الدردشة، والتحليلات التنبؤية، وتخصيص العروض في ثوانٍ… هناك حقيقة لا يحب كثيرون سماعها: جزء كبير من قلب العمل المصرفي العالمي ما زال ينبض بأنظمة قديمة مثل COBOL. هذه ليست “قصة تقنية” للمهندسين فقط؛ هذه قصة بيانات، ومخاطر، وتجربة عميل، وسرعة ابتكار.
في البحرين—كمركز مالي إقليمي يضغط باستمرار على زر التحول الرقمي—السؤال الواقعي ليس: “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: كيف نُشغّل الذكاء الاصطناعي على بيانات مصرفية موزعة بين أنظمة قديمة ومنصات رقمية حديثة دون أن نفقد الامتثال والأمان؟
هذا المقال ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين». وسأقدّم فيه زاوية عملية: لماذا لا يزال COBOL مهمًا، وكيف يؤثر ذلك على مشاريع الذكاء الاصطناعي، وما النهج الذي يُمكّن بنوك وشركات التكنولوجيا المالية في البحرين من التحديث بسرعة محسوبة—لا مغامرة مكلفة.
لماذا ما زالت أنظمة COBOL “المحرّك الصامت” للبنوك؟
الجواب المباشر: لأن الأنظمة الأساسية (Core Banking) التي تدير الحسابات، والقيود اليومية، والتسويات، والمنتجات الائتمانية بُنيت عبر عقود، وثبتت موثوقيتها، وأي تغيير غير مدروس فيها قد يوقف البنك فعليًا.
COBOL ليس مجرد لغة قديمة؛ غالبًا هو جزء من منظومة كاملة تشمل:
- قواعد بيانات تاريخية ضخمة
- إجراءات أعمال متراكمة (Business Rules) تم اختبارها لسنوات
- تكاملات مع شبكات الدفع والأنظمة الرقابية
- متطلبات توافر عالية (High Availability) لا تقبل الأعذار
والسبب الأهم: البيانات عالية القيمة—سجل المعاملات، سلوك السداد، الالتزامات، حدود الائتمان، تفاصيل المنتجات—غالبًا ما “تعيش” داخل هذه الأنظمة أو تمر من خلالها.
عبارة تصلح كقاعدة عمل: الذكاء الاصطناعي في التمويل لا يبدأ من النموذج… يبدأ من مصدر الحقيقة للبيانات.
ماذا يعني ذلك لمشهد البحرين؟
البحرين تدفع نحو الخدمات المالية الرقمية، والبنوك تسابق الزمن لتحسين تجربة العميل عبر التطبيقات والقنوات الذاتية. لكن إذا بقيت البيانات الأساسية محجوزة داخل أنظمة قديمة أو متاحة بصعوبة، فستظهر فجوة واضحة: واجهة حديثة، وعمليات خلفية بطيئة.
النتيجة؟ مشاريع ذكاء اصطناعي “تبدو جميلة” في العرض التقديمي، لكنها تصطدم عند التنفيذ بأسئلة مثل:
- من أين سنجلب بيانات دقيقة لحظيًا؟
- هل البيانات موحّدة أم متناقضة بين الأنظمة؟
- كيف نضمن الامتثال والخصوصية عند تدريب النماذج؟
الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات نظيفة… والبنوك تُنتج بيانات معقّدة
الجواب المباشر: نجاح الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية يعتمد أكثر على جودة البيانات وسياقها من اعتماده على “ذكاء” الخوارزمية.
البنوك تُنتج بيانات “صعبة بطبيعتها” لأن:
- نفس العميل قد يظهر بهويات متعددة عبر أنظمة مختلفة (تباين Master Data)
- البيانات محكومة بتعريفات محاسبية وقانونية دقيقة
- الأحداث المالية متسلسلة زمنيًا وتتطلب اتساقًا صارمًا
- جزء كبير من “المعنى” موجود في قواعد الأعمال داخل الأنظمة القديمة
أين تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي عادة؟
أكثر 3 عوائق شائعة عندما تحاول مؤسسة مصرفية تشغيل حالات استخدام الذكاء الاصطناعي فوق بنية قديمة:
- صوامع البيانات: بيانات القروض في نظام، وبطاقات الدفع في نظام، وخدمة العملاء في نظام ثالث.
- تأخر التحديث: بيانات تُحدّث على دفعات (Batch) بدلًا من التدفق اللحظي، ما يجعل التنبؤات متأخرة.
- غياب الحوكمة: لا يوجد تعريف موحّد للحقول، ولا قاموس بيانات (Data Dictionary) واضح، ولا سياسات وصول دقيقة.
في سياق البحرين، هذه النقاط حساسة لأن المنافسة على تجربة المستخدم عالية—والمستخدم يقارن التطبيق البنكي بتطبيقات التجارة والدفع الفوري، لا ببنوك أخرى فقط.
كيف تُحدّث بنوك البحرين بنيتها دون “حرق” نظام COBOL؟
الجواب المباشر: النهج الأكثر أمانًا وواقعية هو التحديث التدريجي عبر طبقات (Layered Modernization) بدل الاستبدال الكامل مرة واحدة.
الاستبدال الشامل للأنظمة الأساسية مغرٍ نظريًا، لكنه عمليًا قد يستغرق سنوات، ويكلّف كثيرًا، ويرفع مخاطر التشغيل. بدلاً من ذلك، ما يعمل فعليًا هو فصل “تجارب الذكاء الاصطناعي” عن جوهر النظام عبر طبقات وسيطة.
1) طبقة تكامل APIs حول الأنظمة الأساسية
بدل أن يلمس فريق الذكاء الاصطناعي COBOL مباشرة، يتم إنشاء واجهات برمجية تُقدّم بيانات ومعاملات بشكل مضبوط.
- تقلّل المخاطر على النظام الأساسي
- تفرض سياسات وصول واضحة
- تمكّن الابتكار بسرعة أعلى
2) منصة بيانات حديثة: Lakehouse أو مستودع بيانات مُحكم
بنوك كثيرة تتجه إلى دمج ميزات بحيرة البيانات ومستودع البيانات ضمن نموذج Lakehouse. الفكرة ليست “نسخ كل شيء” بل:
- تحديد نطاق بيانات لحالات الاستخدام ذات الأولوية (مثلاً: احتيال، ائتمان، خدمة عملاء)
- بناء خطوط بيانات (Pipelines) قابلة للتتبع
- إدارة جودة البيانات والنسخ (Lineage) والخصوصية
3) الالتقاط اللحظي للتغييرات (CDC) بدل الدُفعات
إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتخذ قرارات خلال ثوانٍ—مثل رصد الاحتيال—فلا يكفي تحديث ليلي. تقنيات Change Data Capture (CDC) تسمح بالتقاط تغييرات قواعد البيانات وإرسالها كتدفقات.
4) حوكمة بيانات ونماذج: ليس خيارًا في التمويل
في الخدمات المالية، الحوكمة ليست رفاهية. المطلوب عمليًا:
- تصنيف البيانات (PII / حساسة / عامة)
- سياسات احتفاظ ومحو
- توثيق النماذج (Model Cards) وسجلات التدريب
- موافقات وصول دقيقة حسب الدور
جملة مختصرة تلخصها: إذا لم تستطع شرح بياناتك ونموذجك، فلا تضعه في مسار قرار مالي.
حالات استخدام “مناسبة للواقع” في البحرين: أين ينجح الذكاء الاصطناعي أولًا؟
الجواب المباشر: أفضل عائد سريع يأتي من حالات استخدام تعتمد على بيانات متاحة، وتُحسّن قرارًا أو تجربة دون تغيير جذري في الأنظمة الأساسية.
في بيئة مثل البحرين—حيث البنوك تتنافس على السرعة والامتثال في آن—هذه أمثلة عملية:
تحسين خدمة العملاء عبر الذكاء الاصطناعي (مع ربط منضبط بالأنظمة)
بدل روبوت “يعرف كل شيء”، ابدأ بروبوت ينجح في أشياء محددة:
- تتبع حالة معاملة أو بطاقة
- تلخيص محادثات مركز الاتصال للموظف (Agent Assist)
- اقتراح ردود بناءً على سياسات البنك
الشرط: لا تسمح للنموذج بالتصرف المالي مباشرة. اجعله طبقة مساعدة، مع تسجيل كامل وتدقيق.
كشف الاحتيال: قرار أسرع، خسارة أقل
هنا تتفوق النماذج القائمة على السلوك (Behavioral Analytics) إذا توفر تدفق بيانات قريب من اللحظي.
- مقارنة نمط عمليات العميل مع تاريخه
- رصد شذوذ في جهاز/موقع/توقيت
- تقليل الإنذارات الكاذبة عبر نماذج متدرجة (Rules + ML)
الائتمان والحدود: من “قواعد ثابتة” إلى تقييم ديناميكي
في التمويل، لا يكفي سؤال: “هل العميل مؤهل؟” السؤال الأدق: ما الحد الائتماني المناسب الآن؟ نماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع تحديث التقييم بناءً على:
- انتظام الدخل والتحويلات
- سلوك السداد
- التزامات أخرى
- موسمية الإنفاق (واضحة خصوصًا في فترات مثل رمضان والإجازات)
الامتثال ومكافحة غسل الأموال (AML) بأسلوب أكثر ذكاءً
الذكاء الاصطناعي لا يُلغي أنظمة AML، لكنه يقلل الضجيج:
- أولوية التحقيق حسب المخاطر
- تجميع الكيانات والعلاقات
- تلخيص سبب الاشتباه للمحقق
سؤالان يتكرران داخل الإدارات التنفيذية (وإجابات عملية)
هل يجب التخلص من COBOL كي ينجح الذكاء الاصطناعي؟
لا. الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات موثوقة، وCOBOL غالبًا هو المكان الذي يضمن هذا الاتساق. المطلوب هو تغليف النظام القديم بطبقات تكامل وبيانات حديثة.
هل الأولوية للنموذج أم للبنية؟
للبنية والحوكمة أولًا. نموذج ممتاز فوق بيانات فوضوية يعطي قرارات فوضوية—ولكن بثقة أعلى، وهذا أخطر.
خارطة طريق من 90 يومًا: طريقة عملية لبدء التحديث في البحرين
الجواب المباشر: خلال 90 يومًا يمكن الانتقال من “حديث عام عن الذكاء الاصطناعي” إلى مشروع قابل للقياس إذا ركّزت على حالة استخدام واحدة وبنية بيانات الحد الأدنى.
- الأسبوع 1–2: اختيار حالة استخدام واحدة قابلة للقياس
- مثال: تقليل زمن معالجة طلبات الاستفسار بنسبة 20%، أو خفض الإنذارات الكاذبة في الاحتيال بنسبة 10%.
- الأسبوع 3–5: تدقيق البيانات وبناء قاموس موحّد
- تحديد مصادر البيانات، المالك، التحديث، الجودة، الحساسية.
- الأسبوع 6–8: إنشاء طبقة APIs أو CDC حسب الحاجة
- توفير مسار بيانات منضبط ومُراقَب.
- الأسبوع 9–12: نموذج أولي + حوكمة + اختبار أمان
- تقييم الانحياز، التفسير، سجلات التدقيق، والاختبارات السلوكية.
النجاح هنا ليس “إطلاق روبوت” بل إطلاق نظام قرار أو تجربة محسّنة مع رقابة واضحة.
أين تقف شركات التكنولوجيا المالية (FinTech) في هذا المشهد؟
الجواب المباشر: شركات التكنولوجيا المالية في البحرين تستطيع التحرك أسرع، لكنها لا تستطيع تجاهل واقع البنوك: البيانات الأساسية في أنظمة قديمة، والتكامل يجب أن يكون محكومًا.
أفضل شراكات بنك–FinTech تحصل عندما:
- يقدّم البنك واجهات APIs محددة الصلاحيات بدل تصدير قواعد بيانات كاملة
- تتفق الأطراف على معايير تبادل البيانات (Schemas) ومؤشرات أداء (KPIs)
- يتم تصميم الذكاء الاصطناعي بحيث يكون قابلًا للتدقيق (Audit-friendly)
وهذا يتماشى تمامًا مع فكرة السلسلة: الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا منفصلًا، بل جزء من تحديث الخدمات المالية الرقمية في البحرين خطوة بخطوة.
ما الذي ينبغي فعله الآن (بدون مبالغة تقنية)
إذا كنت في بنك أو شركة FinTech في البحرين وتفكر بجدية في الذكاء الاصطناعي، فهذه خطوات مباشرة:
- ابدأ ببيانات “قريبة من القرار”: الاحتيال، خدمة العملاء، الائتمان.
- لا تهاجم الأنظمة الأساسية دفعة واحدة؛ ابنِ طبقة تكامل وحوكمة حولها.
- اجعل كل نموذج قابلًا للشرح، وكل قرار قابلًا للتتبع.
- قِس النتائج بالأرقام من اليوم الأول: زمن استجابة، خسائر احتيال، تحويلات ناجحة، رضا عملاء.
الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية بالبحرين سينجح عندما نتعامل مع الحقيقة كما هي: البيانات موجودة، لكنها تحتاج تنظيمًا—والأنظمة القديمة ليست عدوًا، بل جزءًا من البنية التي يجب أن نخدمها بذكاء.
إذا كان 2026 هو عام “تسريع” الذكاء الاصطناعي، فالسؤال الذي سيُفرّق بين من ينجح ومن يتأخر هو: هل نستثمر في طبقة البيانات والتكامل بنفس حماسنا للنماذج؟