ارتفاع حملات المستثمرين النشطين في 2025 يرفع سقف الشفافية والكفاءة. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي البنوك والفينتك في البحرين على الاستجابة بذكاء.
عصر المستثمرين النشطين: كيف يجهّز الذكاء الاصطناعي مالية البحرين
في 2025، سجّل المستثمرون النشطون (Activist Investors) رقمًا قياسيًا في عدد الحملات عالميًا: 255 حملة وفق بيانات باركليز. هذا ليس رقمًا عابرًا في تقرير سوق؛ هو إشارة واضحة أن مجالس الإدارات والمديرين التنفيذيين صاروا تحت مجهر مستمر، وأن «الوقت المسموح للخطأ» أصبح أقصر.
الأكثر لفتًا للنظر أن الضغط لا يتوقف عند المطالبة برفع الربحية أو تغيير أعضاء مجلس الإدارة. كثير من هذه الحملات يبدأ من سؤال بسيط لكنه موجع: لماذا شركتكم أبطأ من السوق في التنفيذ والشفافية واتخاذ القرار؟
وهنا تأتي حلقة مهمّة من سلسلتنا عن كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين: القطاع المالي بطبيعته يعيش على الثقة والرقابة والدقة. ومع صعود الاستثمار النشط عالميًا، يصبح الذكاء الاصطناعي في البنوك والتكنولوجيا المالية بالبحرين ليس خيار “تطوير لطيف”، بل أداة دفاع وهجوم: دفاع عبر جاهزية الامتثال والحوكمة والبيانات، وهجوم عبر تسريع الابتكار وخفض التكاليف وتحسين تجربة العميل.
لماذا ارتفع الاستثمار النشط في 2025؟ وما علاقته بالحوكمة؟
الجواب المباشر: الظروف السوقية في 2025 كانت مثالية للمستثمرين النشطين—تقلبات، وتمويل ملائم، ونشاط أعلى في الصفقات والاستحواذات. بحسب باركليز، كان هناك انتقال من “أقصى درجات عدم اليقين” في النصف الأول إلى عودة اهتمام الاستحواذات والأسهم الخاصة في النصف الثاني، ما أعطى المستثمرين النشطين مساحة أكبر للضغط وإعادة رسم الاستراتيجيات.
في الأرقام:
- 255 حملة في 2025 عالميًا، بزيادة تقارب 5% عن 2024 وتجاوزت الرقم القياسي السابق 249 حملة في 2018.
- الولايات المتحدة استحوذت على الجزء الأكبر: 141 حملة (زيادة 23% على أساس سنوي).
- اليابان سجلت رقمًا قياسيًا: 56 حملة—وحدها تمثل نصف النشاط العالمي خارج أمريكا.
الأثر على الحوكمة مباشر: المستثمر النشط لا يكتفي بالتوصيات. هو يضغط لتغيير الفريق القيادي، هيكلة الشركة، بيع أصول، أو حتى دفع الشركة للنظر في بيع نفسها. وبيانات باركليز تُظهر أن 32 مديرًا تنفيذيًا استقالوا خلال عام واحد من حملة نشطة في 2025—وهو رقم قياسي.
جملة واحدة تلخص المشهد: التباطؤ الإداري أصبح تكلفة قابلة للقياس—والمستثمرون يحوّلونها إلى “حملة”.
ماذا يعني ذلك لقطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية في البحرين؟
الجواب المباشر: يعني أن المؤسسات المالية في البحرين بحاجة إلى جاهزية مؤسسية تجعلها أقل عرضة للمفاجآت وأكثر قدرة على الرد السريع بالبيانات.
البحرين ليست سوقًا هامشيًا في المنطقة. هي مركز مالي إقليمي وبيئة نشطة للتكنولوجيا المالية، وفيها جهات منظمة تدفع نحو الابتكار مع حساسية عالية تجاه الامتثال وإدارة المخاطر. ومع ارتفاع الاستثمار النشط عالميًا، ستظهر ثلاثة مطالب تتكرر في أي نقاش مع المستثمرين (نشيطين أو تقليديين):
- شفافية أسرع: تقارير دقيقة وفي وقت أقصر، مع تفسير واضح للأرقام.
- كفاءة تشغيلية: خفض تكلفة الخدمة، ورفع إنتاجية الفرق، وإلغاء “العمل اليدوي المتكرر”.
- ابتكار قابل للقياس: ليس عدد المبادرات، بل أثرها على الإيرادات، الاحتفاظ بالعملاء، وخفض المخاطر.
وهنا نقطة رأيي فيها حادة قليلًا: كثير من المؤسسات تعتقد أن الرد على المستثمرين يكون عبر عروض تقديمية أجمل أو تقارير أطول. هذا لا يصمد. ما يصمد هو نظام تشغيل يعتمد على البيانات والتحليلات والأتمتة.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي المؤسسات المالية على استباق ضغط المستثمرين؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يقلّل “زمن الحقيقة” داخل المؤسسة—الوقت بين حدوث المشكلة واكتشافها وشرحها واتخاذ قرار بشأنها.
1) ذكاء الإدارة: من “أين البيانات؟” إلى “ما القرار؟”
في بيئات الاستثمار النشط، الأسئلة تكون دقيقة: لماذا هامش الربح تراجع؟ لماذا زادت تكاليف الامتثال؟ لماذا انخفضت التحويلات الرقمية؟
الذكاء الاصطناعي (وخاصة التحليلات التنبؤية ونماذج كشف الشذوذ) يقدّم:
- لوحات قياس فورية تلتقط الانحرافات قبل أن تتحول لأزمة.
- تحليل أسباب الجذور (Root Cause) بمقارنة سلوك القنوات والعملاء والمنتجات.
- محاكاة سيناريوهات: تأثير خفض التكاليف، أو إعادة تسعير، أو إيقاف منتج منخفض الأداء.
الفكرة ليست “التنبؤ بالغيب”. الفكرة أنك لا تريد أن تكون أول مرة ترى المشكلة فيها هي عندما يراها المستثمر.
2) أتمتة الامتثال وإدارة المخاطر: لأن هذا هو المكان الذي تُخلق فيه المفاجآت
القطاع المالي حساس لأي فجوات في مكافحة غسل الأموال (AML) ومعرفة العميل (KYC) ومراقبة المعاملات.
الذكاء الاصطناعي يساعد في:
- فرز التنبيهات وتقليل الإيجابيات الكاذبة (False Positives) عبر نماذج تعلم الآلة.
- تجميع ملف مخاطر العميل من مصادر داخلية (سلوك الحساب، القنوات، الأنماط) بدل الاعتماد على مراجعات يدوية مجتزأة.
- تدقيق قابل للتتبع: سجل قرارات أوضح يدعم الحوكمة عند المراجعات.
عندما يضغط مستثمر نشط على “تحسين الكفاءة”، فإن أول ما ينظر إليه غالبًا هو: كم تصرفون على الامتثال مقارنة بالنتائج؟
3) خدمة العملاء في البنوك والتكنولوجيا المالية: تحسين التجربة ليس رفاهية
في البحرين والخليج عمومًا، العميل لا يقارن البنك بالبنك فقط. يقارن تجربته بتطبيقات التجارة والخدمات اليومية.
استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء يحقق هدفين في وقت واحد: خفض التكلفة ورفع الرضا. أمثلة تطبيقية:
- مساعدين افتراضيين يجيبون عن الأسئلة الروتينية ويحوّلون الحالات المعقدة لموظف بشري.
- تلخيص محادثات مركز الاتصال تلقائيًا وربطها بتذاكر الخدمة.
- رصد مؤشرات “نية المغادرة” (Churn Signals) لتفعيل عروض احتفاظ قبل فوات الأوان.
وهذا مهم للمستثمرين لأن تحسين تجربة العميل عادة ينعكس سريعًا على نمو الودائع، والاحتفاظ، وحجم المعاملات الرقمية—وهي مؤشرات يحبها السوق.
4) جاهزية مجلس الإدارة: ذكاء اصطناعي يُستخدم بحوكمة واضحة
الجواب المباشر: أكثر ما يضعف موقف أي مؤسسة أمام ضغط المستثمرين هو أن تكون تقنياتها متقدمة… وحوكمتها ضعيفة.
لكي يكون الذكاء الاصطناعي مصدر قوة في نقاشات الحوكمة، يجب أن تكون هناك سياسات واضحة حول:
- جودة البيانات (Data Quality) ومسؤوليتها.
- الخصوصية وحماية البيانات.
- إدارة مخاطر النماذج (Model Risk Management).
- قابلية تفسير القرارات (خصوصًا في الائتمان ومكافحة الاحتيال).
عندما يُطرح سؤال من مستثمر: “هل تعتمدون على نماذج قرار؟ وهل يمكن تفسيرها؟” لا تريد إجابة مرتبكة. تريد وثائق وحوكمة ونتائج.
مثال عملي: كيف تبدو “خطة 90 يومًا” للاستعداد لضغط المستثمرين عبر الذكاء الاصطناعي؟
الجواب المباشر: أفضل خطط الاستعداد هي التي تبدأ بمناطق الألم التي يمكن قياسها سريعًا، ثم تتوسع.
هذه خطة عملية تصلح لبنك أو شركة فينتك في البحرين:
-
الأسبوع 1–2: تشخيص الفجوات
- أين العمل اليدوي المتكرر؟ (تقارير، امتثال، خدمة عملاء)
- ما المؤشرات التي تصل متأخرة للإدارة؟
- ما أكثر 10 أسباب لشكاوى العملاء؟
-
الأسبوع 3–6: مشروعان سريعان (Quick Wins)
- أتمتة تقرير تشغيلي/رقابي واحد يستهلك وقتًا كبيرًا.
- نموذج ذكاء لتحليل شكاوى العملاء وتصنيفها واستخراج أسبابها.
-
الأسبوع 7–10: بناء لوحة “حوكمة الأداء”
- مؤشرات تكلفة الخدمة، زمن إنجاز الطلبات، نمو القنوات الرقمية.
- تنبيهات شذوذ (Anomaly Alerts) عند تجاوز حدود متفق عليها.
-
الأسبوع 11–13: حوكمة وامتثال للنماذج
- سجل النماذج، سياسات البيانات، ومراجعات دورية.
- تعريف واضح: من يوافق؟ من يراقب؟ ومن يملك قرار إيقاف النموذج؟
هذه الخطة ليست بديلًا عن استراتيجية طويلة الأمد، لكنها تمنح المؤسسة ما تحتاجه في بيئة ضغط: سرعة، قياس، وقابلية تفسير.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون عند تصاعد ضغط المستثمرين
هل الاستثمار النشط يعني أننا “هدف”؟
ليس بالضرورة. لكنه يعني أن أي ضعف في الأداء أو التواصل أو الشفافية يمكن أن يصبح موضوعًا جاهزًا للحملة. الأفضل التعامل مع الأمر كإشارة لتقوية الحوكمة والبيانات.
ما أول مجال AI يعطي أثرًا ملموسًا في البنوك؟
في تجربتي، المجالات الأسرع أثرًا عادة: خدمة العملاء (تقليل الضغط على مراكز الاتصال) وتحسين عمليات الامتثال والتقارير الإدارية المتكررة.
هل الذكاء الاصطناعي يزيد المخاطر التنظيمية؟
يزيدها إذا استُخدم بلا حوكمة. لكنه يقلّل المخاطر عندما يكون هناك إدارة مخاطر نماذج، وضبط للبيانات، وتتبع للقرارات.
أين تتجه الأمور في 2026؟
الجواب المباشر: 2026 ستكون سنة “المساءلة السريعة”—في الأسواق، وفي الشركات، وفي القطاع المالي.
بيانات باركليز عن 2025 تقول إن أدوات المستثمرين النشطين أصبحت أكثر فاعلية في بيئة عادت فيها الصفقات والتمويل. ومع تسجيل 32 استقالة لمديرين تنفيذيين خلال عام واحد من حملات نشطة، الرسالة للمديرين واضحة: الأداء وحده لا يكفي؛ يجب أن تكون قادرًا على شرح الأداء واتخاذ قرارات أسرع.
بالنسبة للبحرين، هذه فرصة أيضًا. المؤسسات التي تضع الذكاء الاصطناعي في قلب التشغيل—مع حوكمة قوية—ستكسب في ثلاث جبهات: ثقة العملاء، ثقة الجهات التنظيمية، وثقة المستثمرين.
إذا كنت تقود بنكًا أو شركة فينتك في البحرين، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا قبل أن يسألك أي مستثمر: هل نستطيع أن نثبت بالأرقام—وبسرعة—أننا نعرف ما يحدث داخل أعمالنا ولماذا، وما الخطوة التالية؟