معظم شركات التأمين تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل محدود. تعرّف على خطة عملية لتوسيعه في المطالبات وكشف الاحتيال بالإمارات.

الذكاء الاصطناعي التوليدي في التأمين: من التجربة للتطبيق
نسبة كبيرة من شركات التأمين حول العالم جرّبت الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن القليل جدًا نقل التجربة إلى تشغيل واسع على مستوى المؤسسة. وفق تقييم نضج المطالبات لعام 2025، 78% من شركات تأمين الممتلكات والحوادث تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكلٍ ما، بينما 4% فقط قامت بتوسيع التطبيق فعليًا عبر المنظمة. هذه الفجوة ليست رقمًا عابرًا؛ إنها مؤشر على أن معظم الشركات ما زالت تشتري “أدوات”، بدل أن تعيد تصميم “الرحلة”.
في سوق مثل الإمارات—حيث المنافسة قوية، وتوقعات العملاء مرتفعة، والجهات التنظيمية تراقب الحوكمة والخصوصية—الاكتفاء بـ”التجارب” يخلق خطرًا مزدوجًا: تأخر تنافسي من جهة، ومخاطر تشغيلية من جهة أخرى. الأهم؟ أن الذكاء الاصطناعي هنا ليس مشروع تقنية معلومات فقط؛ هو قرار أعمال يمس تقييم المخاطر، كشف الاحتيال، ومعالجة المطالبات.
هذا المقال جزء من سلسلة «الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر»، وهدفه واضح: نقل النقاش من “هل نجرب؟” إلى “كيف نُشغّل على نطاق واسع بشكلٍ آمن ومربح؟”.
لماذا معظم شركات التأمين ما زالت «تجرب» فقط؟
السبب الحقيقي ليس نقص الأدوات، بل نقص التصميم المؤسسي. كثير من الجهات تبدأ بنموذج أولي لتلخيص مستندات أو صياغة ردود خدمة عملاء، ثم تتوقف عند أول عقبة: جودة البيانات، دقة المخرجات، أو أسئلة الخصوصية. التجربة هنا تمنح شعورًا بالتقدم، لكنها لا تغيّر مؤشرات الأداء الرئيسية.
في الخبرة العملية، أكثر ما يعرقل التوسّع عادةً ثلاثة أمور:
- غياب “حالة استخدام” مرتبطة بعائد واضح: فريق يختار أداة لأنه “سهل”، لا لأنه يختصر دورة المطالبة أو يخفّض تكلفة الوحدة.
- تشتت الملكية: قسم المطالبات يتوقع من التقنية أن “تسلم حلًا”، بينما التقنية تنتظر من الأعمال “تعريف المتطلبات”. النتيجة: تسليم بطيء ونتائج متواضعة.
- مخاوف الحوكمة والامتثال: خصوصًا مع بيانات المطالبات، السجلات الطبية، صور الحوادث، ومستندات الهوية.
والنتيجة النهائية متوقعة: مشاريع صغيرة “مفيدة” لكنها لا تتحول إلى تحول شامل.
ما الذي تفوّته الشركات عندما تكتفي بإضافة أدوات؟
الفكرة ليست وضع مساعد ذكي فوق نظام قديم ثم توقع المعجزات. القيمة الأكبر تظهر عندما يُعاد تصميم رحلة المطالبة من البداية للنهاية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي وذكاء التحليلات.
التقديرات تشير إلى أن التطبيق على نطاق واسع يمكن أن:
- يقلص زمن التسوية عبر نطاق أوسع من المطالبات
- يخفض وقت معالجة مطالبات المنازل إلى النصف في بعض السيناريوهات
- يرفع الإنتاجية بنحو 35% في عمليات المطالبات
هذه الأرقام مهمة لأنها تُترجم إلى شيء يفهمه كل مدير: تحسن في السرعة، تكلفة الوحدة، ورضا العميل.
أين يخلق الذكاء الاصطناعي قيمة سريعة داخل المطالبات؟
القيمة الأسرع غالبًا تأتي من التطبيقات التي تقلل العمل اليدوي وتزيد الاتساق. هذا ليس “كلام تسويقي”—بل منطق عمليات: المطالبات مليئة بمستندات طويلة، مراسلات، قرارات متكررة، واحتياج دائم للتوثيق.
1) تلخيص المستندات والملفات الطويلة
في المطالبات، كل دقيقة يقضيها الموظف في قراءة تقرير خبير أو مراسلات متعددة الأطراف هي تكلفة مباشرة، وتأخير غير مباشر للعميل. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنه:
- تلخيص ملف مطالبة من 40 صفحة إلى نقاط قرار واضحة
- استخراج عناصر محددة: تاريخ الحادث، الأطراف، حدود التغطية، الاستثناءات
- اقتراح “قائمة نواقص” للوثائق المطلوبة بدل المراسلات ذهابًا وإيابًا
رأيي؟ هذا الاستخدام وحده لا يكفي إذا بقي معزولًا؛ لكنه ممتاز كبداية لأنه سهل القياس: وقت القراءة قبل/بعد، وعدد مرات إعادة فتح الملف.
2) دعم تواصل العملاء—من دون إفساد العلاقة
العملاء في الإمارات يتوقعون خدمة سريعة وواضحة، خصوصًا في موسم نهاية العام حيث تكثر التنقلات والحوادث البسيطة. الذكاء الاصطناعي يستطيع صياغة رسائل:
- تحديثات حالة المطالبة بلغة مبسطة
- طلب مستندات ناقصة بطريقة دقيقة ومهذبة
- شرح السبب عند الرفض أو طلب معلومات إضافية
الشرط الأساسي: الإنسان يوافق قبل الإرسال في المراحل الأولى، مع قواعد صارمة تمنع اختراع معلومات أو وعود غير دقيقة.
3) إشارات مبكرة لكشف الاحتيال
الاحتيال في التأمين لا يعتمد فقط على “معلومة خاطئة”، بل على نمط: تضارب تواريخ، تكرار أسماء، تشابه صور، أو مفردات متطابقة في عدة مطالبات. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- تحليل النصوص الحرة في وصف الحادث
- مقارنة المستندات بصيغ مختلفة
- رفع “إشارة مخاطرة” قابلة للتفسير للمحقق، بدل قرار آلي مبهم
هنا نقطة حساسة: كشف الاحتيال يجب أن يكون قابلًا للتبرير، لأن الخطأ يضر بثقة العملاء ويعرض الشركة لمخاطر قانونية.
جملة تصلح للاقتباس: “أفضل أن يرفع النظام إشارة مخاطرة مفهومة من أن يصدر حكمًا لا يمكن الدفاع عنه.”
«التحول الكامل» في المطالبات: ما الذي يعنيه فعليًا؟
التحول الكامل ليس زر “تشغيل”. هو إعادة بناء رحلة المطالبة بحيث تصبح القرارات المتكررة شبه آلية، وتبقى الاستثناءات والقرارات الحساسة للخبراء.
نموذج عملي لرحلة مطالبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
تخيل رحلة مطالبة مركبة (سيارة/ممتلكات) تعمل هكذا:
- استقبال ذكي: العميل يرفع صورًا ووثائق، والنظام يتحقق من الاكتمال ويقترح ما ينقص.
- استخراج بيانات تلقائي: قراءة التقرير والصور، واستخراج عناصر التغطية والحدود.
- تقييم مخاطر أولي: تصنيف المطالبة (روتينية/متوسطة/عالية التعقيد) مع سبب واضح.
- مسار سريع للمطالبات البسيطة: تسوية أسرع مع تدقيق آلي ونقاط تحكم بشرية.
- مسار التحقيق: عند وجود إشارات احتيال أو تعارض بيانات، تنتقل إلى فريق مختص مع ملف مُلخّص.
هذا التصميم يربط بين الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر بشكل مباشر: ليس هدفه السرعة فقط، بل السرعة مع ضبط المخاطر.
لماذا يتردد التنفيذيون؟ (الإجابة عملية)
كثير من القادة باتوا يتوقعون أن عائد مبادرات الذكاء الاصطناعي يحتاج من سنتين إلى أربع سنوات للوصول إلى مستوى مُرضٍ مقارنة بمشاريع تقنية تقليدية. وهذا يفسر التردد: مجلس الإدارة يريد نتائج سريعة، بينما التحول الحقيقي يحتاج تغيير بيانات وعمليات وحوكمة.
الحل ليس تقليل الطموح، بل تجزئة الطريق: نتائج سريعة خلال 90 يومًا، ثم توسّع خلال 12 شهرًا، ثم نضج خلال 24–36 شهرًا.
خارطة طريق واقعية لشركات التأمين في الإمارات (من 90 يومًا إلى 12 شهرًا)
التطبيق الناجح في الإمارات يبدأ بخيارات ذكية—لا كثيرة.
خلال 90 يومًا: إثبات قيمة قابل للقياس
اختَر حالتي استخدام فقط، لكن بشروط:
- مرتبطة مباشرة بـ مؤشر أداء (زمن دورة المطالبة، تكلفة الوحدة، نسبة المطالبات المعادة)
- بياناتها متاحة ومعروفة المصدر
- مخاطرها التنظيمية منخفضة نسبيًا
أمثلة مناسبة كبداية:
- تلخيص ملفات المطالبات وتوليد “مذكرة قرار” داخلية
- مسودة رسائل تواصل مع العميل مع موافقة بشرية قبل الإرسال
مقاييس بسيطة تهم الإدارة:
- خفض متوسط زمن معالجة خطوة محددة بنسبة مستهدفة (مثل 20%)
- تقليل عدد المراسلات المتبادلة مع العميل
- رفع إنتاجية الموظف (ملفات أكثر يوميًا مع نفس الجودة)
خلال 6 أشهر: دمج داخل سير العمل، لا كأداة جانبية
الفرق بين “تجربة” و“تشغيل” هو الدمج:
- دمج المخرجات داخل نظام إدارة المطالبات
- توحيد قوالب القرار والتوثيق
- بناء ضوابط جودة: عينات مراجعة، سجلات تدقيق، ومراقبة انحراف المخرجات
خلال 12 شهرًا: حوكمة + أمن + فريق متعدد التخصصات
أي توسيع دون حوكمة سيعود عليك بمشاكل لاحقًا. حدِّد منذ البداية:
- سياسة بيانات: ما الذي يُسمح للنموذج برؤيته؟ وما الذي يُحجب أو يُعمّى؟
- حوكمة النماذج: من يوافق على التحديثات؟ كيف تُختبر الدقة والانحياز؟
- أمن وخصوصية: إدارة الوصول، وتسجيل الاستخدام، وخطط الاستجابة للحوادث
والأهم: لا تضع المشروع كله على فريق البيانات وحده. أنجح البرامج تعتمد على فريق مشترك من:
- المطالبات
- تقنية المعلومات
- المخاطر والامتثال
- الأمن السيبراني
- تجربة العميل
أسئلة تتكرر من الإدارات (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي التوليدي مناسب لكل أنواع المطالبات؟
مناسب كطبقة دعم لمعظم المطالبات، لكن التسوية الآلية الكاملة يجب أن تُحصر في المطالبات البسيطة والمتكررة، مع نقاط تحكم واضحة.
كيف نمنع “الهلوسة” والأخطاء؟
بالجمع بين ثلاث طبقات: تقييد البيانات (مراجع داخلية فقط)، قواعد إخراج (لا وعود ولا أرقام دون مصدر)، ومراجعة بشرية في البداية مع مراقبة مستمرة.
أين يدخل تقييم المخاطر في الموضوع؟
عندما تستخدم الذكاء الاصطناعي لتصنيف المطالبة، واكتشاف التعارضات، وربطها بسجل العميل والتغطيات، فأنت فعليًا تطبق تقييم مخاطر لحظي داخل العمليات اليومية.
الخطوة التالية: من “نستخدم” إلى “نُشغّل على نطاق واسع”
الواقع أن معظم شركات التأمين عالميًا ما زالت في مرحلة التجارب، وهذا خبر جيد للإمارات: الفرصة مفتوحة لمن يتحرك بجدية الآن. من وجهة نظري، الفارق التنافسي في 2026 لن يكون “من يملك أداة ذكاء اصطناعي”، بل من يملك عملية مطالبات مُعاد تصميمها تقيس المخاطر وتغلقها، وتُسعِد العميل في نفس الوقت.
إذا كنت تقود مطالبات أو مخاطر أو تحولًا رقميًا، ابدأ بسؤال واحد بسيط: ما الخطوة في رحلة المطالبة التي تتسبب بأكبر تأخير يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصره خلال 90 يومًا؟ عندما تجيب بدقة، تصبح بقية الخطة أسهل بكثير.