نمذجة مخاطر الإرهاب بالتأمين: كيف يقودها الذكاء؟

الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطرBy 3L3C

حادثة كاليفورنيا تبرز مخاطر الإرهاب ليلة رأس السنة على التأمين. تعرّف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي دقة النمذجة ويقلل الإلغاءات وتعطل الأعمال.

مخاطر الإرهابإلغاء الفعالياتتعطل الأعمالتحليلات تنبؤيةاكتتاب تأمينيإدارة المطالبات
Share:

Featured image for نمذجة مخاطر الإرهاب بالتأمين: كيف يقودها الذكاء؟

نمذجة مخاطر الإرهاب بالتأمين: كيف يقودها الذكاء؟

في 15/12/2025 أعلنت السلطات الفيدرالية الأمريكية عن توجيه اتهامات لأربعة أشخاص بالتحضير لهجمات تفجيرية منسّقة في جنوب كاليفورنيا تبدأ ليلة رأس السنة. القصة ليست بعيدة عن عالم التأمين كما يعتقد كثيرون؛ لأنها تضع تحت الضوء نوعًا من المخاطر التي تظهر “فجأة” في أكثر أيام السنة ازدحامًا بالفعاليات، وأكثرها حساسية من ناحية الإلغاءات، وتوقف الأعمال، وارتفاع تكاليف الأمن.

ما يهمّني هنا ليس تفاصيل القضية بقدر ما تعنيه لسوق التأمين وإدارة المخاطر: التهديد لم يعد “سيناريو واحدًا كبيرًا” يمكن نمذجته بسهولة. أحيانًا يكون عبارة عن خلية صغيرة، أهداف “لينة”، ومدن ثانوية، وإشارات متناثرة قبل الحدث. وهنا يأتي دور موضوع سلسلتنا: الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر. لأنه ببساطة الأداة الأكثر واقعية لقراءة الإشارات الضعيفة، وربطها بسيناريوهات مالية وتشغيلية قابلة للتسعير والاشتراط.

لماذا ليلة رأس السنة تُحرّك خسائر التأمين أسرع من أي يوم آخر؟

ليلة رأس السنة ليست مجرد مناسبة اجتماعية؛ هي ذروة تراكم المخاطر (Risk Accumulation): كثافة بشرية، إيرادات ضيافة مرتفعة، فعاليات بلدية، ألعاب نارية، وازدحام مروري. أي تهديد أمني—even لو لم يتحقق—قد ينتج عنه أثر تأميني حقيقي خلال ساعات.

الأثر عادة يتوزع على ثلاث طبقات:

  1. إلغاء الفعاليات (Event Cancellation): إلغاء حفل أو مهرجان أو فعالية عامة قد يعني استرداد تذاكر، غرامات تعاقدية، وتكاليف تم تجهيزها مسبقًا.
  2. تعطل الأعمال (Business Interruption): توقف مطعم في منطقة احتفالات بسبب إغلاق أمني أو منع وصول الجمهور يمكن أن يقتل إيراد ليلة واحدة تعادل أسبوعًا كاملًا في مواسم أخرى.
  3. تكاليف الأمن والاستجابة: حواجز إضافية، تفتيش، شركات أمن، وإجراءات سلامة… هذه بنود تتضخم بسرعة، وقد تدخل ضمن تغطيات أو استثناءات حسب نص الوثيقة.

النتيجة العملية لمديري المخاطر؟ التهديد الأمني صار تكلفة تشغيلية محتملة وليست مجرد “حادثة نادرة”.

أين تتشابك التغطيات التأمينية: الإلغاء، الإرهاب، وBI “بدون ضرر”؟

الحدث الذي تم إحباطه في كاليفورنيا يوضح نقطة شديدة الأهمية: التأمين لا يُختبر فقط عندما يقع الانفجار، بل أيضًا عندما تُتخذ قرارات إغلاق ومنع وتجهيزات استثنائية بسبب تهديد مؤكد أو “مرجّح”.

1) تأمين إلغاء الفعاليات: الخطر الحقيقي هو “القرار”

في كثير من مطالبات الإلغاء، السبب المباشر ليس تضرّر الموقع، بل قرار الجهة المنظمة أو السلطات بعد تقييم التهديد. وهذا يفتح أسئلة محرجة في المطالبات:

  • هل الإلغاء بسبب “تهديد” أم بسبب “خوف عام”؟
  • هل كان هناك إنذار رسمي أو توجيه من جهة مختصة؟
  • ما هي التزامات التخفيف (Mitigation) التي قام بها المنظم قبل الإلغاء؟

هنا الذكاء الاصطناعي مفيد جدًا قبل وقوع الخسارة: لتقييم ما إذا كانت خطط التخفيف المقترحة (حواجز، تفتيش، تغيير مسار الدخول) تقلل احتمال الإلغاء بما يكفي لتخفيض القسط أو لتوسيع شروط التغطية.

2) تغطيات الإرهاب والعنف السياسي: “نص الوثيقة” أهم من السيناريو

تغطيات الإرهاب غالبًا تُصمم حول تعريفات محددة: فعل إرهابي، دافع سياسي/أيديولوجي، جهة منفّذة… إلخ. لكن الواقع الحديث يميل إلى هجمات صغيرة وأدوات بدائية وخلط في الدوافع.

المشكلة؟ النماذج التقليدية تفضّل الأحداث الكبرى القابلة للمقارنة التاريخية، بينما سيناريو “خلايا صغيرة + أهداف لينة + تواريخ مزدحمة” يتطلب بيانات مختلفة وتحديثات أسرع.

3) تعطل الأعمال دون ضرر مادي (Non-damage BI) وامتدادات السلطة المدنية

هذه المنطقة هي الأكثر جدلاً في المطالبات. بعض الوثائق قد تتيح التعويض عندما تمنع السلطات الوصول إلى المنطقة لأسباب أمنية، حتى لو لم يحدث ضرر مادي للممتلكات. لكن كل شيء يتوقف على:

  • صياغة بند السلطة المدنية
  • نطاق نصف قطر الإغلاق
  • الحد الزمني للتعويض
  • وجود استثناءات مرتبطة بالإرهاب أو الاضطرابات

جملة واحدة تلخص الأمر: الخطر ليس فقط “الحدث”، بل “الاستجابة الأمنية” التي توقف الإيراد.

لماذا تُربك “الخلية الصغيرة” نماذج الإرهاب التقليدية؟

الادعاء في القضية يشير إلى أجهزة بدائية يتم تجهيزها في منطقة ريفية مع نية استهداف مواقع متعددة في مناطق حضرية أو رمزية. هذا النمط يخلق ثلاث مشكلات تسعيرية واكتوارية:

  1. تعدد المواقع بدل نقطة واحدة: بدل خسارة مركّزة في موقع “أيقوني”، قد ترى خسائر متفرقة في عدة نقاط—وهذا يرفع احتمال المطالبات المتزامنة عبر وثائق مختلفة.
  2. الأهداف اللينة (Soft Targets): مناطق احتفال، شوارع ترفيهية، ساحات بلدية—أماكن يصعب تحصينها بالكامل دون قتل التجربة.
  3. الإنذار المبكر ضعيف الإشارة: غالبًا توجد إشارات، لكنها ليست واضحة بما يكفي لتفعيل إجراءات تأمينية أو تشغيلية مبكرة عبر الطرق التقليدية.

هنا أتحيز لصالح نهج واحد: نمذجة ديناميكية تُحدَّث يوميًا بدل نموذج ثابت يُراجع سنويًا.

كيف يخدم الذكاء الاصطناعي شركات التأمين قبل الحادث… وبعده؟

الذكاء الاصطناعي في التأمين ليس روبوتًا يرفض المطالبات. الاستخدام الذكي الحقيقي يظهر في ثلاث مراحل: قبل الاكتتاب، أثناء التشغيل، وعند إدارة المطالبات.

1) اكتتاب أدق عبر “خرائط تراكم المخاطر”

بدل سؤال العميل: “هل لديكم خطة أمنية؟” فقط، يمكن للذكاء الاصطناعي بناء صورة أكثر واقعية عبر دمج بيانات مثل:

  • تقويم الفعاليات المحلية وكثافة الحضور المتوقعة
  • بيانات الحركة والتنقل (للتقدير التقريبي للازدحام)
  • سجل الإغلاقات السابقة في المنطقة (أمنية/تنظيمية)
  • خصائص الموقع: مخارج الطوارئ، نقاط الاختناق، القرب من مرافق حكومية حساسة

ثم يخرج بنتيجة قابلة للتسعير: درجة تعرض (Exposure Score) مرتبطة بحدود التغطية والاشتراطات.

2) تنبؤ تشغيلي: تحويل الإنذار إلى قرار

القيمة العملية ليست في “التنبؤ بالهجوم”، بل في الإجابة عن سؤال مدير المخاطر: ماذا أفعل الآن؟

نماذج تعلم الآلة تستطيع دعم قرارات مثل:

  • رفع مستوى التفتيش في ساعات محددة
  • تعديل مسارات الدخول والخروج
  • توصية بإلغاء “جزئي” بدل إلغاء كامل لتقليل الخسارة
  • تفعيل بروتوكول تواصل مع السلطات وموفري الأمن

عبارة أحبها: الذكاء الاصطناعي الجيد لا يصرخ خطر… بل يقترح إجراءً محددًا مع أثر مالي واضح.

3) إدارة المطالبات أسرع وأعدل عند الإلغاء أو الإغلاق

في سيناريوهات الإغلاق الأمني، يضيع وقت طويل في إثبات “ما الذي حدث” و“متى” و“من قرر”. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:

  • قراءة المستندات والبلاغات الرسمية وفرزها
  • مطابقة التواريخ والأوقات مع بيانات التشغيل (المبيعات، الحجوزات)
  • تقدير خسارة الإيراد بطريقة أكثر اتساقًا وتكرارًا

ومع ذلك، يجب وضع ضوابط واضحة: الشفافية، حق الاعتراض، وتفسير قرار النموذج. لأن أسوأ شيء هو “قرار آلي” لا يمكن شرحه.

خطة عملية لمديري المخاطر والمنظمين قبل 31/12: 7 خطوات واضحة

إذا كنت شركة ضيافة، منظّم فعاليات، بلدية، أو مالك مركز تجاري، فهذه قائمة عمل قابلة للتنفيذ خلال أسبوعين—وهي مناسبة جدًا لموسم رأس السنة 2025/2026:

  1. راجِع نصوص الوثائق الآن: بنود الإلغاء، الإرهاب، السلطة المدنية، وفترات الانتظار في تعطل الأعمال.
  2. حدّد نقطة قرار (Go/No-Go) بوقت محدد (مثلاً 30/12/2025 الساعة 06:00 م) وربطها بمعايير واضحة من الجهات المختصة.
  3. ابنِ سيناريو “إغلاق محيط”: ماذا لو أُغلق شارع واحد؟ ماذا لو مُنع الوصول لساعة؟ هذه السيناريوهات تقع أكثر من الهجوم ذاته.
  4. وحّد قنوات التواصل: رسالة واحدة للجمهور، للموظفين، وللموردين. الفوضى تصنع خسارة إضافية.
  5. قسّم الفعالية إلى وحدات: مناطق يمكن إغلاقها دون قتل الحدث بالكامل—هذا يقلل خسائر الإلغاء.
  6. جهّز أدلة المطالبة مسبقًا: قوالب تقارير، حفظ فواتير الأمن، توثيق القرارات والتوجيهات.
  7. استخدم لوحة مؤشرات مخاطر (حتى لو بسيطة): إن لم يكن لديك نظام ذكاء اصطناعي، ابدأ بمؤشرات تشغيلية تُحدَّث يوميًا. التطور يكون تدريجيًا.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يتنبأ بالهجمات الإرهابية؟

لا بالطريقة السينمائية. القيمة الحقيقية هي تقدير احتمالات التعطل والإلغاء وتراكم الخسائر وتقديم توصيات تشغيلية قابلة للتنفيذ.

هل هذا يخص الولايات المتحدة فقط؟

السيناريو أمريكي، لكن النمط عالمي: مناسبات مزدحمة، أهداف لينة، وإشارات ضعيفة. في الإمارات، كثافة الفعاليات والمناطق السياحية تجعل إدارة التراكم واستمرارية الأعمال موضوعين عمليين جدًا.

ما أول استثمار AI منطقي لشركة تأمين أو وسيط؟

ابدأ بما يعطي أثرًا سريعًا: تصنيف الوثائق والبنود تلقائيًا، ثم نمذجة التراكم على مستوى المواقع، ثم أدوات دعم القرار التشغيلي للفعاليات عالية المخاطر.

ما الذي يجب أن يتغير في سوق التأمين الآن؟

قضية كاليفورنيا—سواء انتهت بإدانات أو لا—تقول شيئًا بسيطًا: العطلات تجمع الناس… وتجمع الخسائر المحتملة. شركات التأمين التي تكتفي بنماذج ثابتة وتعريفات عامة ستجد نفسها كل سنة أمام نفس المفاجآت: مطالبات إلغاء معقدة، جدل حول السلطة المدنية، وتراكم غير محسوب عبر محافظ متعددة.

أنا أميل إلى مقاربة مختلفة: تعامل مع خطر الإرهاب كـ“منظومة قرار” وليس كـ“حادث منفرد”. وهذا بالضبط المكان الذي يثبت فيه الذكاء الاصطناعي قيمته ضمن سلسلة “الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر”: من الاكتتاب إلى التشغيل إلى المطالبة، نفس البيانات—إذا نُظّمت—تصنع فرقًا كبيرًا.

إذا كنت تتعامل مع فعاليات نهاية العام، اسأل فريقك سؤالًا واحدًا: هل نعرف ما الذي سنفعله إذا جاء الإغلاق من السلطات دون حدوث ضرر مادي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي الفاصل بين خسارة يمكن احتواؤها وخسارة تتضخم بلا داعٍ.