الذكاء الاصطناعي يساعد شركات التأمين على توقع مخاطر ليلة رأس السنة: من تجميع التعرض إلى محاكاة الإغلاق وتسعير إلغاء الفعاليات. خطوات عملية جاهزة للتطبيق.

الذكاء الاصطناعي والتأمين ضد الإرهاب: جاهزية ليلة رأس السنة
قبل أسبوعين فقط من نهاية العام، كاد مخطط تفجير منسّق في جنوب كاليفورنيا أن يضع ليلة رأس السنة تحت عنوان واحد: مخاطر متراكزة في ساعات قليلة. حتى عندما يتم إحباط التهديد، تظل تبعاته قائمة: إلغاء فعاليات، تشديد أمني مكلف، وتعطل أعمال في مناطق مكتظة—وهنا تبدأ أسئلة شركات التأمين وإدارة المخاطر.
أكثر ما يلفتني في مثل هذه الحوادث ليس “الحدث” نفسه، بل طبيعة المخاطر الحديثة: خلايا صغيرة، أهداف “ناعمة” مثل الاحتفالات والأحياء الترفيهية، وسيناريوهات لا تلتزم بنماذج الإرهاب التقليدية التي اعتادت قياس الخطر عبر معالم شهيرة أو هجمات ضخمة.
ضمن سلسلة «الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر»، هذه المقالة تضع الخبر في سياقه العملي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد شركات التأمين والوسطاء ومديري المخاطر—خصوصًا في أسواق مثل الإمارات—على توقع “نقاط الذروة” مثل ليلة رأس السنة، وتقليل التعرض، وتسعير التغطيات بشكل أدق، وتقديم قرارات أسرع وقت الأزمة.
لماذا ليلة رأس السنة صداع تأميني متكرر؟
السبب المباشر: تركز الخطر (Risk Aggregation). في ليلة واحدة، تتكدس الحشود، وتتضاعف حجوزات الفنادق والمطاعم، وتكثر الفعاليات العامة، وتصبح أي إشارة تهديد كافية لتحريك سلسلة قرارات: إغلاق، إخلاء، أو إلغاء.
عمليًا، هذه الليلة تجمع عدة أخطار في وقت واحد:
- إلغاء الفعاليات: خسائر منظمي الفعاليات وتكاليف الاسترداد والبدائل.
- توقف الأعمال (Business Interruption): مطاعم، فنادق، مراكز تجارية، وأماكن ترفيه تتأثر بإغلاق شارع أو منطقة.
- تكاليف أمنية إضافية: حواجز، تفتيش، أمن خاص، إجراءات دخول؛ وقد تكون خارج تقديرات الميزانية.
- مسؤوليات قانونية: إصابات، تدافع، أو ادعاءات تقصير في إدارة الحشود.
في خبر كاليفورنيا (نُشر بتاريخ 15/12/2025)، كان الحديث عن مخطط تفجيرات منسّقة ومواد يُشتبه أنها لتجهيز عبوات. هذا النوع من السيناريوهات يوضح أن الخطر ليس فقط “هل وقع الهجوم؟” بل “هل وصلت التهديدات إلى مستوى يغيّر سلوك السلطات والمنظمين والجمهور؟”.
أين تتعثر التغطيات عادة؟
الجواب: في الصياغات والاستثناءات وحدود الامتدادات. كثير من النزاعات تظهر عندما يكون هناك:
- تعطل دون ضرر مادي (Non-damage BI) أو إغلاق احترازي.
- تطبيق امتداد السلطة المدنية (Civil Authority) بشروط محددة.
- اختلاف بين “الإرهاب” و“العنف السياسي” و“الاضطرابات” بحسب تعريف الوثيقة.
والنتيجة؟ الشركة المؤمِّنة تريد وضوحًا قابلًا للقياس، والعميل يريد استجابة مالية سريعة. هنا بالضبط يبرز دور الذكاء الاصطناعي: ليس كأداة تسويق، بل كطبقة تشغيلية تقلل الغموض وتزيد دقة القرار.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي تقييم مخاطر الإرهاب والفعاليات؟
الجواب المختصر: الذكاء الاصطناعي يحوّل المخاطر الموسمية من “انطباعات” إلى “إشارات قابلة للقياس”. بدلًا من الاعتماد على متوسطات سنوية أو خبرات تراكمية عامة، يمكن بناء تقييم لحظي (Near Real-time) يلتقط تغيّر البيئة قبل الحدث وأثناءه.
1) نماذج إنذار مبكر قبل الفعالية (Pre-event Risk Scoring)
العمل الصحيح يبدأ قبل أسبوعين إلى أربعة أسابيع من الحدث. نموذج ذكاء اصطناعي جيد يخرج بنتيجة مثل: مؤشر خطر للفعالية من 0 إلى 100، يتغير يوميًا.
مصادر بيانات شائعة (بحوكمة صارمة):
- بيانات تاريخية عن الحشود والازدحام (موسمية + عطلات).
- حجوزات الضيافة وأسعار الغرف (مؤشر ضغط تشغيلي).
- بلاغات تشغيلية داخلية (حوادث صغيرة تتكرر = “إنذار سلوكي”).
- مؤشرات مفتوحة المصدر حول التوترات (OSINT) على مستوى عام، دون تعقب أفراد.
المهم هنا: الذكاء الاصطناعي لا “يتنبأ بالإرهاب” كحدث يقيني؛ بل يرصد ظروفًا تزيد حساسية المكان للاضطراب: كثافة، رمزية المكان، قرب منشآت حساسة، وأنماط إغلاق محتملة.
2) نمذجة “الأهداف الناعمة” بدلًا من “المعالم الشهيرة”
الخبر الأمريكي أشار إلى استهداف محتمل لمواقع متعددة وكيانات مرتبطة بجهات حكومية. هذا يعكس واقعًا متكررًا: المخاطر تنتقل إلى أماكن أقل تحصينًا.
هنا يتفوق الذكاء الاصطناعي عندما يُستخدم مع تحليل جغرافي:
- تجميع التعرض حسب مربعات جغرافية صغيرة (Grid-based aggregation).
- ربط مواقع العملاء (فنادق/مطاعم/مراكز) بمناطق الفعاليات ومسارات التجمع.
- احتساب “التعرض المتزامن” عبر محافظ متعددة لشركة التأمين.
جملة قابلة للاقتباس: عندما تتكدس الإيرادات والناس في ليلة واحدة، يصبح قياس التركز أهم من قياس الخطر نفسه.
3) محاكاة سيناريوهات الإغلاق وتأثيرها على تعطل الأعمال
أكثر خسائر ليلة رأس السنة ليست من الضرر المادي، بل من الإغلاق الوقائي أو تحويل حركة المرور.
يمكن للذكاء الاصطناعي (مع نماذج محاكاة بسيطة) تقدير:
- نسبة انخفاض المبيعات المتوقعة لكل ساعة إغلاق.
- أثر الإغلاق على سلسلة التوريد المحلية (خاصة للمطاعم والتموين).
- الفرق بين إغلاق 2 ساعة وإغلاق 8 ساعات على هامش الربح.
هذه التقديرات تفيد في:
- تسعير تغطيات BI وEvent Cancellation بواقعية.
- تحديد حدود وخصومات (Deductibles) مناسبة.
- تقديم توصيات تشغيلية للعميل تقلل الخسارة قبل أن تقع.
ما الذي ينبغي على شركات التأمين والوسطاء فعله الآن؟ (خطة 30 يومًا)
الجواب: لا تنتظر موسم الاحتفالات القادم—ابنِ “تشغيلية موسمية” ثابتة تتكرر كل عام. في تجربتي، المؤسسات التي تتعامل مع الذروة كبرنامج موسمي (Seasonal Program) تتفوق على من يتعامل معها كرد فعل.
1) بناء “ملف مخاطر موسمي” للمحفظة
- قسّم العملاء حسب: ضيافة، فعاليات، مراكز تجارية، بلديات/جهات عامة.
- حدّد “نقاط الذروة”: 31/12، العيد، إجازات طويلة، مهرجانات محلية.
- احسب التعرض المتزامن: عدد المواقع ضمن نصف قطر (مثلاً 1–3 كم) من مناطق التجمع.
2) تحديث صياغات الوثائق قبل الأزمة
بدون الدخول في تفاصيل قانونية، هناك ثلاثة محاور عملية:
- تعريفات الإرهاب/العنف السياسي/الاضطرابات.
- شروط امتداد السلطة المدنية ومتطلبات “الأمر الرسمي”.
- حدود تغطية المصروفات الأمنية الإضافية (Extra Expense) وحدود إلغاء الفعاليات.
3) دمج الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب بدلًا من عرضه كتقرير مستقل
أفضل تطبيق رأيته هو أن يصبح نموذج المخاطر جزءًا من قرار الاكتتاب:
- إذا تجاوز مؤشر الخطر حدًا معينًا، يتم تفعيل:
- طلب خطة إدارة حشود.
- اشتراط مورد أمن معتمد.
- تعديل حدود التغطية أو رفع التحمل.
4) تشغيل مركز متابعة (War Room) في أسبوع الفعالية
هذا ليس مبالغة. في أسبوع رأس السنة، “الإشارات” تتغير بسرعة.
- لوحة مؤشرات يومية: كثافة حجوزات، إشعارات تشغيلية، تغييرات مسارات، بيانات ازدحام.
- بروتوكول تواصل: من يتخذ القرار؟ خلال كم دقيقة؟ ما الرسائل المعتمدة للعملاء؟
تطبيقات عملية في الإمارات: لماذا يهمك الخبر الأمريكي؟
الجواب: لأن منطق المخاطر متشابه—الازدحام والفعاليات الكبرى وتداخل الضيافة مع الأمن. في الإمارات، مواسم مثل رأس السنة في دبي، والفعاليات الكبرى، تعني تركزًا عاليًا للإيرادات والحشود في مناطق محددة.
ما الذي يمكن نسخه محليًا؟
- نماذج تجميع التعرض حول مواقع الفعاليات.
- تسعير أكثر ذكاءً لتغطيات إلغاء الفعاليات وتعطل الأعمال.
- خطط تنسيق مسبقة بين مديري المخاطر والجهات التشغيلية والأمن الخاص.
وإذا كنت وسيطًا أو مدير مخاطر في شركة ضيافة، فأنت لا تحتاج لنموذج معقد من اليوم الأول. ابدأ بمؤشر بسيط يجمع 5–7 متغيرات، ثم حسّنه مع كل موسم.
“أسئلة شائعة” يطرحها التنفيذيون قبل رأس السنة
هل الذكاء الاصطناعي يعني مراقبة الناس؟ لا. الاستخدام المهني يركز على بيانات تشغيلية وجغرافية ومؤشرات عامة، مع حوكمة وامتثال للخصوصية.
هل سيقلل الذكاء الاصطناعي من المطالبات؟ نعم عندما يُستخدم للوقاية: تقليل الإلغاء، خفض مدة الإغلاق، وتخفيض الحوادث المرتبطة بالحشود.
هل يفيد في المطالبات بعد الحدث؟ يفيد في التحقق الزمني والمكاني، وتقدير أثر التعطل بالساعة، وتسريع قرار التعويض ضمن الشروط.
ما الذي أتمنى أن تتعلمه شركات التأمين من هذه القصة؟
مخطط كاليفورنيا يذكّرنا أن التهديدات قد تتقاطع مع عطلة معروفة، وتضغط على نماذج الإرهاب التقليدية، وتختبر الوثائق حين تكون الخسارة “اقتصادية وتشغيلية” أكثر من كونها “ضررًا ماديًا”.
الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر ليس رفاهية تقنية. هو طريقة عملية لتقليل المفاجآت في ليالٍ مثل رأس السنة—من خلال التنبؤ بتركيز التعرض، ومحاكاة الإغلاق، وربط الاكتتاب بالوقاية.
إذا كنت تريد خطوة واضحة قبل 31/12/2025: اختر 20 عميلًا عالي التعرض (ضيافة/فعاليات)، ابنِ لهم ملف تركز جغرافي بسيط، وضع “عتبات قرار” للاكتتاب وللاستجابة التشغيلية. ستتفاجأ كم نزاعًا ستمنعه قبل أن يبدأ.
والسؤال الذي يستحق التفكير الآن: هل وثائقك وخططك مبنية على احتمال وقوع الهجوم… أم على حقيقة أن مجرد التهديد قد يوقف الأعمال؟