قضية مونسانتو ضد شركات فائضة مرتبطة بـAIG تكشف تعقيد دعاوى الذيل الطويل. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تقييم التغطية وتوقع الخسائر وتقليل النزاعات.

ذكاء اصطناعي يضبط مخاطر دعاوى المسؤولية بالتأمين
أرقام دعاوى المسؤولية الكبيرة ما عادت “مفاجآت” عابرة. عندما تكون لديك شركة تدفع أكثر من 10 مليارات دولار ضمن برنامج تسوية عالمي، ومع ذلك لا تزال تواجه نحو 50,000 دعوى قيد النظر واحتمال آلاف إضافية—فهذا ليس ملفًا قانونيًا فقط، بل مشكلة نمذجة مخاطر كاملة.
هذا هو جوهر القضية التي ظهرت هذا الأسبوع: مونسانتو تقاضي شركات تأمين مسؤولية فائضة مرتبطة بـ AIG مطالِبةً بتغطية مئات الملايين من دولارات مطالبات أضرار ممتلكات وإصابات جسدية مرتبطة بمنتجات كيميائية تاريخية، مع سياسات فائضة ممتدة زمنيًا من 06/1967 إلى 04/1986. قد تبدو القصة أمريكية ومحلية، لكنها تحمل درسًا عالميًا لأي سوق—ومن ضمنه سوق التأمين الإماراتي—خصوصًا لمن يعمل على الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر.
موقفي واضح: كثير من شركات التأمين وإدارات المخاطر تتعامل مع دعاوى “الذيل الطويل” (Long-Tail Liability) بعقلية ملفات ورقية واجتماعات مطولة. هذا يرفع تكلفة القرار ويزيد احتمالات الخطأ. الذكاء الاصطناعي لا يحل النزاع بدل المحامين، لكنه يجعل تقييم المخاطر، وتحديد احتياطات التعويضات، واتخاذ قرار التسوية أسرع وأدق وأقل انفعالًا.
ماذا تكشف قضية مونسانتو وAIG عن تعقيد المسؤولية الفائضة؟
القصة تكشف شيئًا بسيطًا: المسؤولية الفائضة ليست “حدًا أعلى” فقط؛ إنها طبقات زمنية وقانونية وتشغيلية تتداخل معًا. في دعوى مونسانتو، الحديث ليس عن حادث واحد، بل عن منتجات تاريخية، وشركات “قديمة” وكيان حالي يدفع تكاليف الدفاع والتعويض، وسياسات قديمة تمتد لعقود.
1) فجوة الزمن: سياسات قديمة، واقع قضائي جديد
السياسات المذكورة تغطي فترة من 1967 إلى 1986. هذا يعني:
- شروط صياغة مختلفة عن السياسات الحديثة.
- معايير إثبات مختلفة بحسب الولاية والسوابق.
- صعوبة استرجاع الوثائق الكاملة، والمراسلات، وسجلات الإخطار المبكر.
عندما تتضخم الدعاوى بعد 30 أو 40 سنة، يصبح السؤال: هل يُفعّل الحد؟ وأي سنة تغطية؟ وأي طبقة فائضة؟. هنا تتعقد “تريغر” التغطية (Trigger) وتخصيص الخسائر عبر السنوات.
2) الذيل الطويل: الدفاع القانوني قد يكون أغلى من التعويض
في الدعاوى الجماعية والبيئية والمنتجات، تكاليف الدفاع قد تتجاوز توقعات التعويض في مراحل طويلة. مونسانتو تقول إنها لا تزال تتحمل “تكاليف دفاع كبيرة” رغم تسويات ضخمة.
الرسالة العملية: تقدير الاحتياطي ليس حساب تعويض فقط، بل تقدير سنوات من الإنفاق القانوني—وهذه نقطة مثالية لتطبيق التحليلات التنبؤية.
3) نزاع التغطية بحد ذاته “خطر” يحتاج إدارة
عندما تقول الشركة إن شركات التأمين ترفع “ذرائع ودفوع لا أساس لها” لرفض التغطية، فهذا يعني أن نزاع التغطية صار جزءًا من الخسارة: زمن، أتعاب، ومخاطر حكم.
في سوق مثل الإمارات، حيث تتسارع مشاريع البنية التحتية والصناعة والمواد الكيميائية واللوجستيات، الفكرة نفسها تنطبق: الخسارة قد تأتي من النزاع على الوثيقة بقدر ما تأتي من الحدث نفسه.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ ثلاث وظائف تغيّر طريقة التعامل مع النزاعات
الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر ليس “روبوت مطالبات”. قيمته الحقيقية تظهر في الملفات المعقدة: آلاف القضايا، وثائق متعددة، وتواريخ طويلة.
1) تحليل الوثائق وبنود الوثيقة (Policy Intelligence)
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يقلل وقت فهم الوثيقة ويزيد دقة ربط البنود بالوقائع.
باستخدام نماذج معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، يمكن بناء نظام يقوم بـ:
- استخراج البنود الحساسة تلقائيًا: الاستثناءات، حدود التغطية، تعريف “الضرر”، الإخطار، التعاون.
- مقارنة صيغ متعددة عبر سنوات مختلفة.
- إنشاء “خريطة تغطية” تربط كل دعوى بالسنة/الطبقة/الحد المحتمل.
عمليًا، هذا يُستخدم كـ طبقة تدقيق قبل اتخاذ قرار: هل نرفض؟ هل نسوّي؟ هل نطلب معلومات إضافية؟
2) نمذجة الخسائر التنبؤية لملفات الدعاوى الكبيرة
الإجابة المباشرة: التحليلات التنبؤية تقدّر “تكلفة المستقبل” بدل الاعتماد على متوسطات تاريخية مضللة.
في ملفات مثل الغليفوسات أو الملوثات البيئية أو المنتجات، لا تكفي المتوسطات. تحتاج نموذجًا يقرأ إشارات مثل:
- نوع المحكمة/الولاية، وسلوك هيئة المحلفين.
- مسار الدعوى (مرحلة الاكتشاف، خبراء، استئناف).
- خصائص الإصابة/الضرر، وتاريخ التعرض.
- كثافة الدعاوى (تزايد/تراجع) شهريًا.
ثم يخرج بتوقعات قابلة للتحديث:
- احتمال التسوية خلال 6/12/24 شهرًا.
- نطاق تكلفة الدفاع.
- قيمة التسوية المتوقعة (مع حدود ثقة واضحة).
هذه النماذج لا تُلغي قرار الإنسان. لكنها تمنع أخطاء شائعة: التفاؤل الزائد أو المبالغة في الاحتياط بسبب خوف إداري.
3) مراقبة النزاعات وإشارات “التصعيد” مبكرًا (Litigation Early Warning)
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يلتقط مؤشرات مبكرة على تحوّل ملف واحد إلى موجة مطالبات.
مثال عملي: عندما يظهر نمط متكرر في الادعاءات أو محامون محددون يقودون موجة جديدة، أو أحكام تمهيدية (motions) تتغير لصالح المدعين—يمكن للنظام أن يرفع إنذارًا مبكرًا لإدارة المطالبات وإعادة التأمين.
وهذا ليس رفاهية. في دعاوى “الذيل الطويل”، أسبوعان أو شهران من التأخر قد يعني:
- فقدان نافذة تسوية منخفضة.
- توسع الإعلام.
- زيادة عدد المدعين.
كيف تستخدم شركات التأمين في الإمارات هذا النموذج دون نسخ التجربة الأمريكية؟
النسخ الحرفي لا ينفع لأن البيئة القانونية والتنظيمية مختلفة. لكن الدروس قابلة للتحويل إذا ركزنا على “الميكانيكا” لا “الضجيج”.
1) ابنِ “بحيرة بيانات مطالبات” مهيكلة قبل أن تفكر في نموذج ذكاء اصطناعي
الإجابة المباشرة: بدون بيانات مرتبة، الذكاء الاصطناعي يضاعف الفوضى بدل أن يحلها.
ابدأ بما يلي:
- توحيد حقول المطالبة: نوع الضرر، تاريخ الحدث، تاريخ الإبلاغ، حالة الدعوى، تكاليف الدفاع.
- ربط الوثائق (PDF/صور) ببيانات وصفية واضحة.
- إنشاء قاموس موحد للمصطلحات (خطأ شائع: نفس السبب بثلاثة أسماء).
2) ركّز على “القرارات” لا على “النماذج”
الإجابة المباشرة: أفضل مشروع ذكاء اصطناعي هو الذي يحسّن قرارًا محددًا ويمكن قياسه.
أمثلة قرارات قابلة للقياس:
- قرار تخصيص الاحتياطي (IBNR وCase Reserve).
- قرار الإحالة للتحقيق (SIU) عند الاشتباه.
- قرار التسوية المبكرة مقابل الاستمرار.
حدد مقياسًا واحدًا على الأقل لكل قرار:
- تقليل مدة معالجة الملف بنسبة X.
- تحسين دقة الاحتياطي (تقليل الانحراف بين المتوقع والمدفوع).
- تقليل تكاليف الدفاع لكل ملف.
3) طبّق الحوكمة من اليوم الأول: الخصوصية، التفسير، وتحيّز البيانات
الإجابة المباشرة: في التأمين، نموذج “صندوق أسود” قد يكون مخاطرة تنظيمية وتشغيلية.
قائمة تحقق عملية:
- من يملك حق الاطلاع على بيانات المطالبات؟
- كيف نبرر قرار النموذج لمراجع داخلي أو جهة رقابية؟
- هل البيانات التاريخية تحمل تحيزًا ضد نوع قطاع/منطقة/فئة عملاء؟
من خبرتي، أسهل طريقة لتجنب الصدام لاحقًا هي بناء سجل قرار: ما الذي أوصى به النظام؟ ما الذي قرره الخبير؟ ولماذا؟
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل الاستثمار في ذكاء اصطناعي للمطالبات
هل الذكاء الاصطناعي يقلل النزاعات مع شركات إعادة التأمين؟
نعم، إذا استُخدم لتقديم سرد رقمي موثّق: خط زمني للمطالبة، قرارات احتياطي مبررة، وتصنيف واضح للتغطيات. النزاع يقل عندما تقل “المناطق الرمادية”.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف الاحتيال في دعاوى المسؤولية المعقدة؟
يستطيع كشف أنماط لا يراها الإنسان بسرعة: تكرار نفس العناوين، نفس مزودي الخدمات، تشابه روايات، أو قفزات غير منطقية في التكاليف. لكنه لا يصدر حكمًا نهائيًا؛ يُحيل الملف للتحقيق.
ما أسرع مشروع يمكن تنفيذه خلال 90 يومًا؟
مشروع استخراج بنود الوثائق وتصنيفها وربطها بملفات المطالبات الحالية. هذا يعطي عائدًا سريعًا لأنه يقلل وقت القراءة ويخفض أخطاء التفسير.
ما الذي يجب أن يتغير بعد قضية مونسانتو وAIG؟
القضية تذكير قاسٍ بأن دعاوى المسؤولية الفائضة لا تُدار بالخبرة وحدها—لأن حجم البيانات (وثائق، قضايا، سنوات تغطية) يفوق قدرة أي فريق مهما كان قويًا. الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر يقدّم طريقة أكثر انضباطًا: فهم أسرع للوثائق، تقدير أدق للتكلفة المستقبلية، وإنذار مبكر لتصاعد الموجات القضائية.
إذا كنت تعمل في شركة تأمين، وسيط، أو إدارة مخاطر في الإمارات، فخطوتك التالية ليست شراء منصة ضخمة فورًا. ابدأ بملف واحد “مؤلم” من حيث الزمن والكلفة، وحدد قرارًا واحدًا تريد تحسينه، ثم ابنِ حوله بيانات نظيفة ونموذجًا قابلًا للتفسير.
السؤال الذي أتركه لك: ما هو القرار الأكثر كلفة في دورة المطالبات لديك—الاحتياطي أم التسوية أم تفسير التغطية—ولماذا ما زال يُتخذ دون دعم تنبؤي؟