كيف حوّلت منصة SmartPitch الذكاء الاصطناعي إلى معيار لابتكار التأمين، وما الذي يمكن لشركات الإمارات تطبيقه سريعًا في المخاطر والاحتيال وتجربة العميل.

من منصة مبيعات ذكية إلى معيار إماراتي للتأمين بالذكاء
قبل أشهر قليلة، فازت Bajaj Allianz Life Insurance بجائزة “ابتكار شركة التأمين” ضمن نهائيات The World’s Digital Insurance Awards 2025 (نُشرت نتائج الفوز بتاريخ 13/10/2025). السبب لم يكن حملة تسويق لامعة، بل منتج عملي: SmartPitch—منصة ذكاء اصطناعي توليدي تُساعد أكثر من 50,000 وكيل تأمين في الهند على تقديم عرض بيع مُفصّل ومُناسب لكل عميل، لحظة بلحظة.
هذا النوع من الابتكار يهمنا في الإمارات أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. لأن التحول الرقمي في التأمين عندنا لم يعد “مشروعًا جانبيًا”، بل مسارًا واضحًا مدفوعًا بتوقعات العملاء، وبالجهود المتسارعة في التمويل الذكي والحوكمة الرقمية. والرسالة التي يرسلها فوز SmartPitch بسيطة: الذكاء الاصطناعي في التأمين لا ينجح عندما يكون تقنية فقط؛ ينجح عندما يُصمَّم لحل نقطة ألم تشغيلية واضحة، ويُقاس أثره بالأرقام والسلوك.
في سياق سلسلة “الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر”، سأفكك ما الذي جعل SmartPitch يستحق جائزة، وما الذي يمكن لفرق التأمين في الإمارات أن تتعلمه بسرعة—خصوصًا في مجالات تقييم المخاطر، مكافحة الاحتيال، وتسريع خدمة العملاء.
لماذا فاز SmartPitch؟ لأنّه حوّل “المحادثة” إلى أصل قابل للقياس
السبب المباشر للفوز هو قدرة المنصة على تخصيص خطاب البيع بشكل ديناميكي وفق ملف العميل: عمره، مرحلته الحياتية، وضعه المهني، احتياجاته، واعتراضاته المتوقعة.
وفق ما ورد في عرض الشركة الفائز، المنصة بُنيت لتتعامل مع تحدٍّ واقعي في السوق الهندية: انخفاض الثقافة التأمينية. النتيجة كانت تصميم نظام يستطيع إنتاج 5.5 مليون تركيبة محتملة من “Pitch” أو سيناريو عرض، تتغير في الوقت الحقيقي حسب سياق العميل.
الفكرة التي تستحق النقل للإمارات
في أغلب شركات التأمين، “المحادثة” بين الوكيل والعميل تظل غير مُهيكلة: ملفات PDF، كتيبات، خبرة فردية، وتفاوت كبير بين الوكلاء. SmartPitch تعامل مع المحادثة كالتالي:
- عملية يمكن هندستها (مش مجرد موهبة)
- بيانات يمكن تحليلها
- سلوك يمكن تدريبه وتحسينه
وهنا نقطة مهمة: عندما تصبح المحادثة أصلًا قابلًا للقياس، تستطيع ربطها مباشرة بملفات المخاطر، جودة الإفصاح، والامتثال—وهي عناصر حساسة في أي سوق منظم مثل الإمارات.
نموذج “وكيل أولًا” ليس رفاهية… هو إدارة مخاطر تشغيلية
المنصة صُممت بطريقة Agent-first: تساعد الوكيل في الرد على الاعتراضات، مقارنة المنتجات، وتبسيط المزايا المعقدة. هذه ليست تحسين تجربة مستخدم فقط؛ هذا تقليل لمخاطر أخطاء البيع (Mis-selling) التي تكلّف شركات التأمين سمعة وتعويضات وإجراءات تنظيمية.
أين تظهر إدارة المخاطر هنا؟
عندما توحّد لغة الشرح وتمنح الوكيل “مساعدًا ذكيًا” يلتزم بالمنطق المعتمد للمنتج، فأنت تقلل من:
- التباين في المعلومات المقدمة للعملاء
- إساءة تفسير الاستثناءات والشروط
- الوعود غير الدقيقة التي تتحول لاحقًا إلى نزاعات مطالبات
في الإمارات، حيث يتعامل السوق مع شرائح متعددة (مواطنين، مقيمين، شركات صغيرة، شركات كبيرة)، فإن تفاوت الرسائل بين القنوات (وسطاء/وكلاء/تطبيقات) يخلق فجوة ثقة. برأيي، توحيد الخطاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحوكمة وليس مجرد “تحسين مبيعات”.
كيف يمكن تطبيق الفكرة محليًا دون نسخ التجربة حرفيًا؟
بدلًا من بناء 5.5 مليون سيناريو من اليوم الأول، ابدأ بما يلي:
- حدد 20–30 اعتراضًا الأكثر تكرارًا في منتجات الحياة/الصحي/السيارات
- أنشئ “مكتبة ردود” معتمدة من المنتج والامتثال
- اربط كل ردّ بـ سبب مخاطري: ماذا يحدث لو تم شرحه بشكل خاطئ؟
هذه طريقة عملية تجعل الذكاء الاصطناعي يخدم إدارة المخاطر مباشرة.
من البيع إلى المطالبات: نفس المنطق يخدم كشف الاحتيال وتسريع الخدمة
الفكرة الأساسية في SmartPitch هي التخصيص في الوقت الحقيقي بناءً على ملف العميل. نفس المنطق يمكن نقله بسلاسة إلى مناطق أخرى ذات عائد أعلى—خصوصًا في الإمارات، حيث المنافسة قوية والتوقعات عالية.
1) تقييم المخاطر (Risk Assessment) عبر “سياق العميل” لا عبر نموذج جامد
إذا كان النظام قادرًا على فهم مرحلة حياة العميل واحتياجاته أثناء البيع، يمكن توسيعه ليخدم الاكتتاب عبر:
- تلخيص ملف العميل من مصادر داخلية (تاريخ وثائق، تفاعل، قنوات)
- اقتراح أسئلة اكتتاب إضافية “حسب الحاجة” بدل قوائم طويلة ثابتة
- رفع تنبيه عندما تظهر تناقضات بين ما قيل في البيع وما ظهر لاحقًا
النتيجة المتوقعة: اكتتاب أدق، وأسئلة أقل للعميل، وموافقة أسرع—وهذا بالضبط ما يبحث عنه العملاء.
2) مكافحة الاحتيال: اجعل الذكاء الاصطناعي يلتقط “علامات السلوك” مبكرًا
الكشف عن الاحتيال في التأمين لا يعتمد فقط على البيانات المالية؛ يعتمد على الأنماط السلوكية والتناقضات عبر الزمن.
عندما توحّد “قصة العميل” عبر مراحل الرحلة (استفسار → بيع → إصدار وثيقة → مطالبة)، تستطيع بناء إشارات مبكرة مثل:
- تغيّر مفاجئ في معلومات أساسية بين قنوات مختلفة
- إصرار غير منطقي على سيناريو تعويض محدد
- تكرار مطالبات متشابهة ضمن إطار زمني قصير
لا أقول إن SmartPitch وحده يكشف الاحتيال، لكن فلسفته (تجميع السياق وتوجيه القرار) هي نفس الفلسفة المطلوبة في Fraud Analytics.
3) تجربة العميل: التخصيص يقلل “التحميل المعرفي” ويزيد الثقة
التأمين منتج “مُرهق” معرفيًا: شروط، استثناءات، فترات انتظار، وحدود تغطية. عندما يشرح النظام للعميل ما يهمه فقط—وبلغة بسيطة—تقل الشكاوى، وتقل المكالمات المتكررة، ويزيد الرضا.
وهذا مهم جدًا في موسم نهاية العام مثل ديسمبر، حيث تتزايد عادةً:
- طلبات تجديد الوثائق
- تحديثات البيانات
- مقارنة العروض قبل الالتزام
منصة محادثة ذكية للموظف أو الوكيل تقلل ضغط مراكز الاتصال في هذه الفترة وتضمن اتساق الرسائل.
“المدرب الافتراضي” القادم: التدريب بالذكاء الاصطناعي كأداة حوكمة
خارطة الطريق التي ذكرتها الشركة الفائزة تتضمن إضافة AI Virtual Coach يقوم بتدريب الوكلاء عبر محاكاة (Role-play) وتقييم عناصر مثل:
- سرعة الكلام
- الكلمات الحشو (Filler words)
- فعالية العرض
هذه ليست رفاهية تدريب. هذا نظام جودة.
لماذا هذا مهم للإمارات تحديدًا؟
في أسواق متعددة اللغات واللهجات مثل الإمارات، جودة التواصل ليست مجرد “أسلوب”. هي عامل امتثال وثقة. المدرب الافتراضي يمكن أن:
- يرفع الحد الأدنى من جودة الشرح بسرعة عبر فرق كبيرة
- يقلل تكلفة التدريب التقليدي
- يخلق معيارًا واضحًا لما هو “شرح مناسب” ومنضبط
برأيي، خلال 2026 سنرى فرقًا أكثر تربط التدريب بالذكاء الاصطناعي مباشرة بـ مؤشرات المخاطر التشغيلية مثل الشكاوى، النزاعات، وإلغاءات الوثائق المبكرة.
ما الذي يجب أن يفعله مديرو التأمين في الإمارات الأسبوع القادم؟ خطة 30 يومًا
إذا كنت تعمل في شركة تأمين، وسيط، أو فريق مخاطر/امتثال، هذه خطوات عملية خلال شهر واحد لبناء نسخة “محلية” من الفكرة دون تضخيم:
1) اختر حالة استخدام واحدة عالية العائد
الأفضل أن تكون:
- مرتبطة بإيراد أو تكلفة واضحة
- قابلة للقياس خلال 8–12 أسبوعًا
أمثلة مناسبة:
- مساعد ذكي للوكلاء لتوضيح الاستثناءات في التأمين الصحي
- مساعد لفرق المطالبات لتلخيص ملف العميل والمستندات
- مساعد لفرق مكافحة الاحتيال لاقتراح “إشارات خطر” للمراجعة اليدوية
2) ثبّت قواعد الحوكمة قبل إطلاق أي نموذج
ضع من البداية:
- من يوافق على محتوى الردود؟ (المنتج + الامتثال)
- ما البيانات المسموح للنموذج برؤيتها؟
- كيف يتم حفظ السجلات وتدقيقها؟
في التأمين، الحوكمة ليست فرامل؛ هي شرط تشغيل.
3) صمّم “الواجهة” للعامل الأمامي لا للمدير
SmartPitch نجح لأنه يخدم الوكيل مباشرة. الشيء نفسه ينطبق على الإمارات: إذا لم ير موظف الخط الأمامي قيمة يومية واضحة، لن يستخدم الحل حتى لو كان ممتازًا تقنيًا.
4) قِس النجاح بمؤشرات تشغيلية واضحة
اختر 3 مؤشرات فقط لتجنب الضياع، مثل:
- زمن إغلاق طلب/مكالمة
- نسبة الاعتراضات التي تم التعامل معها من أول مرة
- انخفاض الشكاوى المرتبطة بسوء الفهم
جملة عملية أكررها دائمًا: أي ذكاء اصطناعي لا يغير “زمن” أو “جودة” أو “مخاطر” العملية، غالبًا لن يغير شيئًا في الواقع.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي التوليدي مناسب للتأمين أم مخاطره أكبر؟
مناسب عندما يُستخدم ضمن حدود واضحة: محتوى معتمد، سجلات تدقيق، ومنع اختلاط البيانات الحساسة. الخطر لا يأتي من التقنية وحدها، بل من إطلاقها دون حوكمة.
هل الأفضل البدء بالمبيعات أم بالمطالبات؟
إذا هدفك LEADS ونمو الأعمال، ابدأ بالمبيعات/الوسطاء. إذا هدفك خفض التكلفة سريعًا، ابدأ بالمطالبات والتلخيص الآلي. لكن في الحالتين، ابحث عن عملية واحدة متكررة ومؤلمة.
هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الوكلاء؟
لن يستبدل الوكلاء الجيدين، لكنه سيُحرج الوكلاء غير المنضبطين. في 2025 و2026، التنافس الحقيقي سيكون بين شركات ترفع جودة فرقها عبر أدوات ذكية، وشركات تترك الجودة للصدفة.
ما الذي يعنيه هذا الفوز لمستقبل التأمين الإماراتي في 2026؟
فوز Bajaj Allianz Life بجائزة الابتكار يضع معيارًا واضحًا: النجاح في التأمين بالذكاء الاصطناعي يبدأ من “تغيير التجربة اليومية” للعامل الأمامي، ثم يتوسع إلى تقييم المخاطر وكشف الاحتيال وتحسين المطالبات.
ضمن سلسلة “الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر”، أرى أن الخطوة التالية في الإمارات ليست بناء نماذج أكبر، بل بناء أنظمة قرار: أدوات تقود الوكيل أو موظف المطالبات نحو قرار صحيح، موثق، وسريع—دون أن نخسر الثقة أو الامتثال.
إذا كنت تقود التحول الرقمي أو إدارة المخاطر في شركة تأمين داخل الإمارات، فابدأ بسؤال واحد عملي: أي محادثة داخل شركتنا تتكرر آلاف المرات سنويًا، وتسبب أخطاء أو تأخيرًا… ويمكن تحويلها إلى “عملية مُساعدة بالذكاء الاصطناعي” خلال 90 يومًا؟