كيف تحوّل كيبكو خفض الرافعة وإدارة الاستحقاقات إلى تحسن في التصنيفات؟ وما الذي يمكن لشركات التأمين تعلّمه عبر الذكاء الاصطناعي لإدارة المخاطر.

الذكاء الاصطناعي في التأمين: درس كيبكو لخفض المخاطر
في 16/12/2025، خفّضت وكالة «فيتش» نظرتها المستقبلية لتصنيف شركة كيـبكو (KIPCO) من سلبية إلى مستقرة، مع تثبيت تصنيف المُصدِر طويل الأجل عند BB-. وقبلها بأيام، ثبّتت «كابيتال إنتليجنس» تصنيف العملة الأجنبية طويل الأجل عند BB+ ورفعت النظرة إلى إيجابية.
السبب الأكثر وضوحًا؟ رقم واحد يمكن لأي مدير مخاطر أن يفهمه بسرعة: انخفاض صافي نسبة القروض إلى القيمة (Net LTV) من 51.2% بنهاية 2024 إلى أقل من 40%. هذا ليس “خبر تصنيف” فقط؛ هذا درس عملي في كيف تتحول إدارة المخاطر من كلام إلى مؤشرات قابلة للقياس—وهو نفس المنطق الذي يحتاجه قطاع التأمين حين يتحدث عن الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر.
أنا أرى هذه القصة كنموذج يمكن لشركات التأمين—خصوصًا في الإمارات والخليج—أن تتعلم منه: كيبكو لم تُحسّن وضعها عبر إجراء واحد، بل عبر حزمة قرارات: إعادة هيكلة مديونية، تنويع مصادر تمويل، إدارة استباقية للاستحقاقات، والعمل مع الشركات التابعة لرفع المرونة. والذكاء الاصطناعي قادر على تحويل هذه الحزمة إلى نظام تشغيلي يومي: يتنبأ، يراقب، ينبه، ويقترح خيارات.
ماذا تعلّمنا كيبكو عن “تحسين الجدارة الائتمانية” ولماذا يهم التأمين؟
الخلاصة المباشرة: تحسين التصنيف الائتماني ليس جملة في تقرير علاقات المستثمرين؛ هو نتيجة لضبط الرافعة المالية والسيولة وهيكل الدين وجودة الإدارة. هذه العوامل نفسها هي “المدخلات” التي تبني عليها شركات التأمين قرارات الاكتتاب والتسعير والاحتياطي.
في بيان كيبكو، أشار المدير المالي للمجموعة إلى تركيزهم منذ 2022 على:
- تقوية الميزانية العمومية
- تحسين هيكل الدين (من حيث الآجال وتنوع المصادر)
- إدارة استباقية لاستحقاقات الدين
- رفع أداء الشركات التشغيلية عبر مبادرات نمو عضوي وشراكات واندماجات واستحواذات
- تنفيذ تخارجات وإعادة تنظيم الملكيات للاستفادة من التآزر داخل المجموعة
التشابه العميق بين التصنيف الائتماني والاكتتاب التأميني
شركات التأمين تقوم يوميًا بشيء قريب جدًا من عمل وكالات التصنيف:
- تحاول الإجابة عن سؤال: ما احتمال التعثر/الخسارة؟
- وما حجم الخسارة المتوقعة؟
- وهل لدى الطرف المقابل سيولة كافية لعبور الصدمات؟
الفرق أن شركة التأمين تتحمل “الخسارة” عبر مطالبات، بينما الشركة القابضة تتحملها عبر تدهور قيمة الأصول أو ضغط خدمة الدين. في الحالتين، القرار الجيد يبدأ من مؤشرات قابلة للقياس.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر؟ من المؤشر إلى الإنذار المبكر
الإجابة المختصرة: الذكاء الاصطناعي يجعل المخاطر “مرئية” قبل أن تصبح أزمة، عبر التنبؤ بالاتجاهات وربط إشارات ضعيفة قد لا يلتقطها الإنسان.
قصة كيبكو تُظهر أن تحسنًا في مؤشرات مثل LTV وتراجع الدين الصافي ووجود سيولة جيدة يغير نظرة السوق. تخيل لو كانت شركة التأمين تملك لوحة قيادة تُظهر يوميًا ما يلي:
- اتجاهات السيولة لدى العملاء التجاريين (خاصة كبار العملاء)
- حساسية محافظ التأمين لتغيرات أسعار الفائدة أو التضخم
- مخاطر تركز التعرضات (Concentration Risk) حسب قطاع/منطقة/عميل
- مؤشرات “الضغط” قبل وقوع التعثر أو المطالبة الكبيرة
مثال عملي: “LTV” كفكرة تأمينية
LTV في التمويل يقيس العلاقة بين الدين وقيمة الأصول. في التأمين يمكن ترجمة الفكرة إلى مؤشرات مشابهة مثل:
- نسبة الخسارة (Loss Ratio): المطالبات/الأقساط
- نسبة المصروفات (Expense Ratio)
- نسبة مجمعة (Combined Ratio)
- “قيمة التعرض” مقابل “قدرة التحمل” (Risk Appetite)
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل هذه المؤشرات—بل يجعلها تنبؤية بدل أن تكون “تاريخية”. أي بدل أن نعرف أن نسبة الخسارة ارتفعت بعد نهاية الربع، يمكن للنماذج أن تتوقع ذلك مبكرًا بناءً على سلوك المطالبات، تغير أسعار قطع الغيار، أو أنماط الاحتيال.
كيف تُترجم استراتيجية كيبكو إلى حالات استخدام في التأمين؟
الفكرة الأساسية: كل خطوة “مالية” اتخذتها كيبكو لها نظير “تشغيلي” في التأمين يمكن للذكاء الاصطناعي تسريعه.
1) إدارة الاستحقاقات = إدارة ذروة المطالبات والسيولة
كيـبكو ركزت على إدارة آجال الديون وتفادي مخاطر التكدس في الاستحقاقات. في التأمين، لدينا نسخة أخرى من المشكلة:
- تكدس مطالبات موسمية (مثل حوادث الشتاء، أو مطالبات الصحة نهاية العام)
- ضغط سيولة عند الكوارث أو الأحداث الكبيرة
تطبيق ذكاء اصطناعي مقترح: نموذج تنبؤ للتدفقات النقدية للمطالبات (Claims Cashflow Forecasting) يربط بيانات المطالبات التاريخية بمؤشرات خارجية مثل الموسمية وأسعار الخدمات الطبية وأسعار السيارات.
2) تنويع مصادر التمويل = تنويع قنوات التوزيع وملامح المخاطر
تنويع التمويل يقلل الاعتماد على مصدر واحد. في التأمين، الاعتماد على قناة بيع واحدة أو شريحة واحدة من العملاء يصنع “مخاطر تركز”.
تطبيق ذكاء اصطناعي مقترح: تحليلات تجزئة العملاء (Segmentation) لاختيار مزيج محافظ أكثر توازنًا، مع مراقبة تلقائية لمؤشرات التركز حسب القطاع والمنطقة.
3) تخفيض الرافعة = خفض التعرضات عالية التقلب
انخفاض LTV من 51.2% إلى أقل من 40% يعني تقليل الرافعة وتقوية المرونة أمام الصدمات. في التأمين، “الرافعة” قد تظهر كالتالي:
- تسعير غير دقيق في فروع عالية التقلب (مثل السيارات التجارية)
- حدود تغطية عالية دون إعادة تأمين مناسبة
تطبيق ذكاء اصطناعي مقترح: نماذج تسعير (Pricing Models) تتعلم من الخسائر الفعلية وتضبط التسعير والحدود تلقائيًا ضمن قواعد حوكمة واضحة.
4) رفع أداء الشركات التابعة = رفع أداء إدارة المطالبات والكشف عن الاحتيال
كيـبكو تحدثت عن تحسين أداء الشركات التشغيلية ورفع المرونة. في شركات التأمين، أقرب “شركة تشغيلية” هي قسم المطالبات. وكل دقيقة تأخير أو تسرب احتيالي يساوي ضغطًا على الربحية.
تطبيق ذكاء اصطناعي مقترح:
- نماذج كشف الاحتيال (Fraud Detection) على مستوى المطالبة والشبكات (Network Analytics)
- أتمتة فرز المطالبات (Triage) لتوجيه الحالات المعقدة للمختصين بسرعة
إطار عملي لشركات التأمين: ما الذي نبنيه أولًا؟
إجابة مباشرة: ابدأوا بمؤشرات قليلة لكنها حساسة، ثم ابنوا حولها طبقات تنبؤ وإنذار وحوكمة. معظم الشركات تبدأ بعشرة مشاريع متفرقة ثم تتساءل لماذا لا ترى أثرًا ماليًا واضحًا.
خطوة 1: تحديد “مؤشرات قيادة” بدل “مؤشرات لاحقة”
- المؤشرات اللاحقة: تظهر بعد وقوع الضرر (ارتفاع المطالبات، تراجع الاحتياطي)
- مؤشرات القيادة: تظهر قبل الضرر (تغير سلوك تقديم المطالبات، ارتفاع متوسط تكلفة الإصلاح مبكرًا)
خطوة 2: ربط البيانات التشغيلية بالمالية
قصة كيبكو تُثبت أن التصنيف يتحسن عندما ترى الوكالات صورة متماسكة: ديون أقل، سيولة أفضل، إدارة أقوى. في التأمين، المطلوب نفس التماسك:
- بيانات المطالبات + الاكتتاب + خدمة العملاء + إعادة التأمين + المالية
خطوة 3: بناء “إنذار مبكر” قابل للتنفيذ
الإنذار الذي لا ينتج عنه قرار ليس إنذارًا؛ هو ضجيج. اجعلوا النظام يخرج بأحد ثلاثة مخرجات فقط:
- اتخاذ إجراء تسعيري (رفع/خفض سعر ضمن ضوابط)
- تغيير سياسة اكتتاب (حدود/استثناءات/شروط)
- تدخل تشغيلي (تدقيق مطالبات/فحص شبكة مزودين)
خطوة 4: الحوكمة أولًا، ثم النموذج
إذا لم تُحددوا من يملك قرارًا عند تعارض توصية النموذج مع خبرة المدير، ستتوقف المبادرة عند أول حادثة. ضعوا قواعد واضحة:
- متى تكون توصية النموذج مُلزمة؟
- متى تكون استشارية؟
- كيف نوثق الاستثناءات؟
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات عملية)
هل الذكاء الاصطناعي في التأمين يرفع الأرباح فعلًا أم هو “مشروع تقنية”؟
يرفع الأرباح عندما يركز على تسربات واضحة: الاحتيال، سوء التسعير، بطء المطالبات، والتعرضات المركزة. غير ذلك، يتحول إلى عرض تقديمي جميل بلا أثر مالي.
ما أقرب مؤشر شبيه بـ LTV يمكن مراقبته أسبوعيًا؟
أقرب شيء هو مزيج من:
- نسبة الخسارة حسب المنتج والشريحة
- تكلفة المطالبة المتوسطة واتجاهها
- زمن تسوية المطالبة (كل تأخير له كلفة مالية وتشغيلية)
ما الخطأ الأكثر شيوعًا عند تطبيق التحليلات التنبؤية؟
تدريب نموذج على بيانات غير ممثلة أو قديمة ثم اتخاذ قرارات كبيرة بناءً عليه. النموذج الجيد يحتاج تحديثًا مستمرًا وقياس أداء واضحًا (Monitoring).
ماذا يعني خبر كيبكو لشركات التأمين في الإمارات والخليج؟
النقطة الأساسية: الأسواق في 2025 حساسة للرافعة والسيولة والحوكمة. وأي شركة—مالية أو تأمينية—تستطيع إثبات أنها تدير المخاطر بالأرقام وبشكل استباقي تحصل على ثقة أكبر وتكلفة تمويل أقل وفرص نمو أعلى.
كيـبكو أعطتنا قالبًا: لا تنتظر أن يتحسن “التقييم” وحده؛ حسّن مسبباته: الدين، الاستحقاقات، مصادر التمويل، أداء الوحدات التشغيلية، وإدارة التغيير. في التأمين، الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر هو أسرع طريق لتطبيق القالب نفسه على الاكتتاب والمطالبات والاحتيال.
جملة تصلح كقاعدة عمل: التصنيف يتحسن عندما تكون المخاطر تحت السيطرة قبل أن تصبح خبرًا.
إذا كنت تقود شركة تأمين أو قسم مخاطر أو مطالبات، فابدأ بسؤال عملي واحد: ما هي ثلاثة مؤشرات لو راقبناها بذكاء—وبشكل يومي—سنمنع تدهور النتائج قبل أن يحدث؟