ابتكارات إنشورتك في جوائز 2024 تكشف اتجاهات الذكاء الاصطناعي في التسعير والمطالبات والاحتيال—ودروس عملية قابلة للتطبيق في سوق التأمين الإماراتي.

ابتكارات إنشورتك بالذكاء الاصطناعي: دروس للتأمين الإماراتي
قبل أقل من عام، استعرضت جوائز عالمية في التأمين الرقمي (النسخة 2024) قائمة نهائية لابتكارات إنشورتك في الأمريكتين. الخبر نفسه قد يبدو “احتفاليًا” أكثر من كونه عمليًا… لكني أراه مؤشرًا شديد الوضوح: الذكاء الاصطناعي لم يعد إضافة لطيفة في التأمين، بل صار معيارًا ضمنيًا للحلول التي تصل إلى منصة التنافس.
وهذا يهمنا هنا في الإمارات لسبب بسيط: سوق التأمين المحلي يمرّ بمرحلة نضج رقمي حقيقية، وفي 12/2025 تحديدًا تتزايد توقعات العملاء بسرعة (خدمة فورية، شفافية، تسعير عادل)، وتتزايد بالمقابل تعقيدات المخاطر (احتيال رقمي، مطالبات متقلبة، مخاطر مناخية، وسلاسل توريد). أي شركة تأمين تُريد النموّ وجذب العملاء تحتاج أن تفكر مثل إنشورتك—حتى لو لم تكن إنشورتك.
المقال الأصلي يعلن عن نهائيات فئة “ابتكار إنشورتك” في منطقة الأمريكتين ضمن جوائز 2024، مع دعوة للتصويت وعرض أسماء بعض المتأهلين. أنا سأستخدمه كعدسة لفهم شيء أهم: ما أنواع حلول الذكاء الاصطناعي التي تُكافَأ في السوق؟ وكيف يمكن ترجمتها إلى قرارات عملية في التأمين وإدارة المخاطر في الإمارات؟
لماذا “جوائز إنشورتك” ليست مجرد أخبار علاقات عامة؟
الإجابة المباشرة: لأن الجوائز في القطاعات التقنية عادةً تكشف ما تعتبره السوق “قيمة قابلة للبيع” الآن، لا ما تعِد به العروض التسويقية.
عندما ترى قائمة نهائية في فئة ابتكار إنشورتك، فأنت لا ترى أسماء فقط. أنت ترى اتجاهات:
- تقييم المخاطر بالذكاء الاصطناعي بدل الاعتماد على قواعد ثابتة لا تتعلم.
- الكشف عن الاحتيال عبر إشارات سلوكية وبيانات غير تقليدية.
- أتمتة المطالبات لتقليل زمن المعالجة والتكلفة ورفع رضا العميل.
- رقمنة تجربة العميل من الشراء إلى التجديد إلى المطالبة، بدون انقطاع.
الجزء المهم: هذه الاتجاهات تتطابق تمامًا مع موضوع سلسلتنا: الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر. والفرق بين “نسمع عنها” و“نطبقها” هو أن نترجم الاتجاهات إلى حالات استخدام وخطة تنفيذ.
ما الذي تكشفه قائمة المتأهلين في الأمريكتين عن اتجاهات الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة المباشرة: المتأهلون يعكسون ثلاثة محاور تقنية: الثقة والتحقق، السرعة والأتمتة، وتخصيص التجربة باستخدام البيانات.
القائمة النهائية التي تم الإعلان عنها تضمنت شركات مثل: Clearspeed، Faye، Feathery، Firefly Digital، Pinpoint Predictive. حتى لو اختلفت تفاصيل كل حل، فالإطار الذي يجمعها غالبًا هو التالي:
1) الذكاء الاصطناعي لصناعة “الثقة” في الاكتتاب والمطالبات
الثقة هي أغلى عملة في التأمين. والذكاء الاصطناعي اليوم يُستخدم لقياسها أو دعمها عبر:
- التحقق من صحة المعلومات المقدمة في الاكتتاب.
- تحليل أنماط السلوك أثناء التقديم أو أثناء المطالبة.
- رصد التعارضات في البيانات (مثلاً: زمن وقوع الحادث، الموقع، تسلسل الأحداث).
في الإمارات، هذا ينعكس مباشرة على منتجات التأمين التي تتعرض لمحاولات إساءة استخدام أعلى (مثل التأمين الطبي أو المركبات أو السفر). كل ساعة تأخير في كشف الاحتيال قد تتحول إلى تكلفة صافية تتكرر شهريًا.
2) الأتمتة الذكية لتسريع دورة المطالبة (Claims Cycle Time)
العميل لا يقيس شركة التأمين بعدد البنود في وثيقته. يقيسها بلحظة الحقيقة: عندما يطلب التعويض.
الذكاء الاصطناعي في معالجة المطالبات يحقق مكاسب واضحة عندما يُستخدم في:
- تصنيف المطالبة تلقائيًا (بسيطة/متوسطة/معقدة).
- استخراج البيانات من المستندات والصور (OCR + فهم سياق).
- اقتراح مسار معالجة مناسب (Straight-Through Processing للمطالبات البسيطة).
وهنا رأيي واضح: إذا كانت شركتك ما زالت تعامل 70% من المطالبات البسيطة يدويًا، فأنت تدفع تكلفة تشغيلية غير ضرورية وتخسر رضا العملاء في نفس الوقت.
3) التحليلات التنبؤية لتسعير أكثر عدالة وربحية
الحلول التحليلية المتقدمة لم تعد “لوحات مؤشرات”. الاتجاه الآن هو:
- تنبؤ احتمالية الخسارة/التعثر.
- تقدير شدة المطالبة قبل اكتمال جميع المستندات.
- اكتشاف المخاطر الناشئة (مثل أنماط حوادث جديدة أو مناطق أعلى خطورة).
بالنسبة لقطاع التأمين الإماراتي، هذا مهم جدًا مع ارتفاع حساسية العملاء للسعر—ومع سعي الجهات التنظيمية والأسواق إلى تسعير عادل غير تمييزي وقابل للتفسير.
كيف تُترجم هذه الاتجاهات إلى فرص مباشرة في الإمارات؟
الإجابة المباشرة: ابدأ بثلاث حالات استخدام تمنح عائدًا سريعًا خلال 90–180 يومًا: فرز المطالبات، رصد الاحتيال، وتحسين الاكتتاب.
أعرف أن “التحول بالذكاء الاصطناعي” قد يبدو مشروعًا ضخمًا. لكن الواقع أبسط إذا بدأت من نقاط الاحتكاك الأعلى تكلفة.
فرصة 1: “فرز المطالبات” بدل معالجة الكل بنفس الطريقة
بدل أن يمر كل ملف على نفس المسار، استخدم نموذجًا (Rules + ML) لتحديد:
- المطالبات المؤهلة للمعالجة الآلية
- المطالبات التي تحتاج تحققًا إضافيًا
- المطالبات عالية المخاطر من ناحية الاحتيال
مؤشرات قياس عملية (KPIs) مقترحة:
- متوسط زمن إغلاق المطالبة (بالساعات/الأيام)
- نسبة المعالجة الآلية للمطالبات البسيطة
- نسبة إعادة الفتح (Re-open Rate)
فرصة 2: الكشف عن الاحتيال “قبل الدفع” وليس بعده
الكثير من الشركات تركز على مكافحة الاحتيال بعد وقوع الضرر المالي. الأفضل هو بناء “بوابة مخاطر” قبل صرف التعويض.
إشارات قابلة للتطبيق:
- تشابه لغوي في وصف الحادث عبر مطالبات مختلفة
- تكرار نفس الحساب البنكي/الهاتف عبر ملفات متعددة
- أنماط زمنية غير منطقية (تقديم مطالبة بعد شراء الوثيقة مباشرة)
فرصة 3: تحسين الاكتتاب باستخدام بيانات تشغيلية داخلية (قبل شراء بيانات جديدة)
قبل شراء مصادر بيانات مكلفة، كثير من شركات التأمين تملك كنزًا غير مستغل:
- تاريخ المطالبات
- أسباب الرفض
- ملاحظات خبراء المطالبات
- مسارات خدمة العملاء والشكاوى
هذه البيانات، إذا تم تنظيفها وربطها، تمنح نموذج المخاطر القدرة على التعلم من واقع الشركة، لا من افتراضات عامة.
خريطة تنفيذ عملية: من فكرة الذكاء الاصطناعي إلى نتيجة قابلة للقياس
الإجابة المباشرة: نفّذ الذكاء الاصطناعي في التأمين عبر 5 خطوات: تحديد حالة استخدام، تجهيز بيانات، نموذج قابل للتفسير، تكامل تشغيلي، وحوكمة.
1) اختر حالة استخدام واحدة لها أثر مالي واضح
اسأل: أين نخسر وقتًا؟ أين نخسر مالًا؟ أين نخسر ثقة؟
أمثلة سريعة:
- “تقليل زمن مطالبات المركبات البسيطة إلى أقل من 48 ساعة”
- “خفض نسبة المطالبات المشبوهة المدفوعة”
2) جهّز البيانات بما يكفي—لا تنتظر الكمال
الهدف ليس بناء مستودع بيانات مثالي أولًا. الهدف هو مجموعة بيانات موثوقة لحالة الاستخدام.
حد أدنى عملي:
- تعريف موحّد للحقول الأساسية
- إزالة التكرار
- ربط الوثيقة بالمطالبة وبالعميل
3) اعتمد نماذج قابلة للتفسير في القرارات الحساسة
في التسعير ورفض المطالبة، “النتيجة” وحدها لا تكفي. تحتاج تفسيرًا.
نهج عملي:
- استخدم نماذج قابلة للتفسير أو طبقة تفسير (مثل SHAP)
- وثّق أسباب القرار بعبارات تشغيلية يفهمها فريق المطالبات والالتزام
4) لا قيمة لنموذج لا يدخل في سير العمل
إذا بقي النموذج في لوحة BI، فهو لن يغير شيئًا.
أمثلة إدماج:
- اقتراح مسار المطالبة داخل نظام إدارة المطالبات
- تنبيه آلي لفريق مكافحة الاحتيال عند تجاوز درجة مخاطر محددة
5) حوكمة ومخاطر نموذج (Model Risk) من اليوم الأول
هذا محور “إدارة المخاطر” في موضوع سلسلتنا.
قائمة تحقق مختصرة:
- مراقبة انجراف البيانات (Data Drift)
- مراجعات دورية للعدالة والتحيز
- سجل قرارات (Decision Log) للتدقيق
جملة تصلح كقاعدة: أي ذكاء اصطناعي لا يمكن تدقيقه سيصبح خطرًا تشغيليًا قبل أن يصبح ميزة تنافسية.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل اعتماد الذكاء الاصطناعي في التأمين
الإجابة المباشرة: نعم يمكن البدء سريعًا، لكن نجاحك يعتمد على التكامل والحوكمة أكثر من دقة النموذج وحدها.
هل نحتاج فريق بيانات كبير؟
ليس في البداية. مشروع واحد محدد يمكن أن ينجح بفريق صغير (مالك منتج + محلل بيانات + مهندس تكامل + ممثل التزام/قانوني). التوسع يأتي لاحقًا.
هل الذكاء الاصطناعي سيستبدل خبراء المطالبات؟
في الواقع، سيجعلهم يعملون على الملفات التي تستحق خبرتهم. الأتمتة تُخرج الأعمال الروتينية من طريقهم، وهذا يرفع الجودة ويقلل الأخطاء.
ما أكبر خطأ شائع؟
بناء نموذج رائع دون تغيير إجراءات العمل. النتيجة: “عرض جميل” بدون أثر.
ما الذي نتعلمه من منصة الجوائز—وما الخطوة التالية في الإمارات؟
قائمة المتأهلين في جوائز 2024 للأمريكتين تقول شيئًا واضحًا: الابتكار الذي يُكرّم اليوم هو الابتكار الذي يضغط وقت التشغيل، يقلل الاحتيال، ويحسن قرار المخاطر عبر الذكاء الاصطناعي.
إذا كنت تعمل في التأمين الإماراتي—شركة تأمين، وسيط، أو جهة إدارة مخاطر—فأفضل خطوة الآن ليست شراء منصة جديدة فورًا. الأفضل هو اختيار حالة استخدام واحدة ذات أثر، ثم اختبارها خلال 90 يومًا مع مقاييس واضحة.
وأنا أراهن أن 2026 ستكافئ السوق الشركات التي تعتبر الذكاء الاصطناعي “تشغيلًا يوميًا” لا “مشروعًا جانبيًا”. السؤال الذي يظل مفتوحًا: هل ستقود شركتك هذا التحول… أم ستلاحقه بعد أن يصبح معيارًا؟
إذا رغبت، شاركني: ما أكثر نقطة ألم عندكم اليوم—التسعير، المطالبات، أم الاحتيال؟ ومن هناك نحدد أسرع مشروع ذكاء اصطناعي يُحقق أثرًا ملموسًا.