دروس خسائر الكوارث في 2025 تؤكد أن نمذجة مخاطر الكوارث بالذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة للتسعير الدقيق وتسريع المطالبات. تعرّف على خطوات تطبيق عملية.
نمذجة مخاطر الكوارث بالذكاء الاصطناعي: دروس 2025
الخسائر الكارثية لم تعد “حدثًا نادرًا” يُحسب على الأصابع. الواقع في نهاية 2025 أن مواسم العواصف والفيضانات وحرائق الغابات صارت أطول، والتقلبات أشد، وسلاسل التوريد أكثر هشاشة. النتيجة؟ شركات التأمين تعيش ضغطًا مزدوجًا: تسعير أدق حتى لا تُفاجأ بعجز، وتجربة مطالبات أسرع حتى لا تفقد العملاء في اللحظة التي يحتاجونها فيها.
أكثر ما يلفتني في النقاشات التي تلت موجات الخسائر الأخيرة هو أن الدرس الأكبر ليس “نحتاج رأس مال أكثر” فقط. الدرس الحقيقي: نحتاج طريقة أذكى لفهم الخطر قبل وقوعه وأثناءه وبعده. وهنا تحديدًا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر: نمذجة كوارث تتعلم من التاريخ، وتقرأ الإشارات المبكرة، وتحوّل البيانات المتناثرة إلى قرارات تشغيلية.
المقابلات والخبرات الميدانية لفرق إدارة المطالبات بعد الكوارث (مثل فرق شركات إدارة المطالبات العالمية) تؤكد شيئًا بسيطًا: عندما تتسع رقعة الحدث، لا ينهار النظام بسبب “قلة النوايا الحسنة”، بل بسبب عنق زجاجة البيانات والقدرة التشغيلية. الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية هنا؛ هو طريقة عملية لتوسيع القدرة دون تدهور الجودة.
الدرس الأول: المشكلة ليست في الحدث… بل في فجوة البيانات
الإجابة المباشرة: أكبر سبب لتضخم خسائر الكوارث هو أن بيانات الخطر والتعرّض (Exposure) والجودة الإنشائية ليست مكتملة أو غير محدثة، فيصبح القرار مبنيًا على تقدير عام بدل واقع تفصيلي.
في كثير من ملفات الممتلكات، ما يزال الوصف يعتمد على حقول قديمة: نوع السقف، مواد البناء، سنة الإنشاء، قرب الموقع من مجرى سيول… إلخ. عند وقوع كارثة، يظهر أثر هذه الفجوة بثلاث طرق:
- تسعير غير متوازن: محفظة تبدو “متنوعة” على الورق، لكنها فعليًا مركزة جغرافيًا أو إنشائيًا.
- تغطيات غير مفهومة للعميل: فتتضخم النزاعات بعد الحادث.
- تأخر في المطالبات: لأن الفرز (Triage) لا يملك معلومات كافية لتحديد الأولويات.
كيف يعالج الذكاء الاصطناعي فجوة البيانات؟
الذكاء الاصطناعي يربط ما لا يربطه البشر بسرعة. بدل انتظار تحديثات يدوية بطيئة، تستطيع شركات التأمين اعتماد مسار “تنقية بيانات” مستمر:
- رؤية حاسوبية لتحليل صور الأقمار الصناعية/الصور الجوية لتقدير خصائص المباني (شكل السقف، كثافة المنطقة، آثار الحماية من الفيضانات).
- نماذج تعلم آلي لاكتشاف التناقضات في بيانات الاكتتاب (مثل مبنى مصنف “مقاوم للحريق” لكنه في منطقة ذات سجل حرائق متكرر مع غطاء نباتي كثيف).
- نماذج لغوية لاستخراج معلومات من تقارير هندسية ومستندات PDF ورسائل العميل دون إدخال يدوي طويل.
جملة تصلح للاقتباس: إذا كانت بيانات التعرّض ناقصة، فحتى أفضل إعادة تأمين في العالم تصبح مجرد مسكّن.
الدرس الثاني: التكدّس التشغيلي بعد الكارثة هو الخطر الصامت
الإجابة المباشرة: بعد الكوارث، تتضاعف المطالبات بسرعة أكبر من قدرة الفرق البشرية على المعالجة، فتزداد مدة التسوية، وترتفع تكلفة “الاحتكاك التشغيلي” (Operational Friction).
عندما يقع حدث واسع، تواجه شركات التأمين تحديات متزامنة: صعوبة الوصول للمناطق، تعطّل الاتصالات، نقص خبراء التقييم، وتدفق وثائق وصور غير منظمة. وهذا يؤدي غالبًا إلى قرارين سيئين:
- إمّا دفع احتياطي مرتفع خوفًا من المفاجآت،
- أو التأخير حتى تتضح الصورة، فتتضرر الثقة.
ما الذي يغيّره الذكاء الاصطناعي في المطالبات الكارثية؟
الذكاء الاصطناعي لا “يستبدل خبير التعويضات”، لكنه يرفع إنتاجيته بشكل ملموس عبر:
- فرز المطالبات آليًا (AI Triage): تصنيف المطالبة حسب الشدة واحتمال الاحتيال والحاجة لزيارة ميدانية.
- تقدير أضرار أولي بالصور: مقارنة صور “قبل/بعد” لتقدير نطاق الضرر وتوجيه الخبير.
- مساعد مطالبات ذكي: يرد على أسئلة العميل، يجمع المستندات، ويشرح المتطلبات بلغة بسيطة.
ما أحبّه هنا أن القيمة لا تقتصر على السرعة. القيمة في تقليل التفاوت: نفس المعايير تُطبّق على الجميع، بدل اختلاف النتائج حسب ضغط الفريق أو خبرة الموظف.
الدرس الثالث: نماذج الكوارث التقليدية وحدها لم تعد كافية
الإجابة المباشرة: الاعتماد على نماذج كارثية ثابتة (Static Cat Models) دون تحديث سريع بالبيانات الحديثة يجعل الفجوة بين “التوقع” و“الخسارة الفعلية” أكبر.
نماذج الكوارث الكلاسيكية ممتازة كأساس، لكنها تواجه واقع 2025:
- تغيّر أنماط الطقس،
- تمدد المدن بسرعة،
- ارتفاع تكاليف البناء والإصلاح،
- وتأثيرات ثانوية مثل انقطاعات الكهرباء وتضرر البنية التحتية.
أين يتفوق التعلم الآلي في نمذجة الكوارث؟
التعلم الآلي قوي عندما يكون الهدف هو التحديث المتكرر واستيعاب إشارات جديدة بسرعة، مثل:
- دمج بيانات متعددة المصادر في “صورة تشغيلية واحدة” خلال ساعات.
- اكتشاف الأنماط المخفية: مثل ارتباط نوع مواد معينة بزيادة الخسائر في رياح شديدة.
- تحسين دقة تقدير الخسائر المتوقعة على مستوى الحي/الشارع بدل نطاق واسع.
وهنا نقطة عملية لشركات التأمين في الإمارات والمنطقة: البيانات المحلية تصنع فرقًا كبيرًا. لا يكفي استيراد نموذج عالمي ثم تطبيقه كما هو؛ يجب تغذيته ببيانات المنطقة (الإنشاءات، معايير الدفاع المدني، أنماط الأمطار والسيول المحلية، وسلوك العملاء في الإبلاغ).
كيف تنتقل شركتك من “ردّة الفعل” إلى “تنبؤ قابل للتنفيذ”؟
الإجابة المباشرة: الانتقال يتطلب ثلاث طبقات مترابطة: بيانات نظيفة، ونماذج قابلة للشرح، وتشغيل (Operations) مستعد لاستخدام التنبؤات.
هذه خريطة طريق عملية رأيت أنها تعمل، خصوصًا عندما يكون الهدف توليد نتائج خلال 8–12 أسبوعًا وليس بعد سنة:
1) ابدأ بحالتَي استخدام واضحتين (وليس 10)
اختيار حالتين يقلّل التشتت ويزيد فرص النجاح. اقتراحان مناسبان لمخاطر الكوارث:
- تنبؤ شدة المطالبة قبل المعاينة باستخدام صور/وصف العميل.
- كشف تركز المحفظة (Accumulation Risk) على مستوى المناطق والأنواع الإنشائية.
2) ابنِ “طبقة بيانات كوارث” موحّدة
بدل أن تكون البيانات موزعة بين الاكتتاب والمطالبات وإعادة التأمين، اجمعها في نموذج موحد يتضمن:
- بيانات الوثيقة
- خصائص الموقع
- تاريخ المطالبات
- بيانات الحدث (عاصفة/سيول/حريق)
- تكاليف الإصلاح واتجاهات التضخم في مواد البناء
3) اطلب نماذج قابلة للشرح من اليوم الأول
في التأمين، لا أحد يريد “صندوقًا أسود” يغير التسعير ثم يختفي. اعتمد مؤشرات واضحة مثل:
- أهم العوامل التي رفعت التوقع
- حساسية النتيجة لتغير عامل واحد
- حدود الثقة (Confidence Bands)
4) اربط التنبؤ بقرار محدد
التنبؤ الذي لا ينتج قرارًا يظل تقريرًا جميلًا. أمثلة قرارات مباشرة:
- رفع/خفض نسبة التحمل (Deductible) لمناطق محددة
- توجيه فرق المطالبات إلى “نقاط ساخنة” قبل تراكم البلاغات
- تخصيص شبكة المقاولين مسبقًا لمناطق عالية التعرض
عبارة عملية: لا تقِس نجاح الذكاء الاصطناعي بدقة النموذج فقط؛ قِسه بعدد القرارات الصحيحة التي اتخذتها أسرع.
أسئلة شائعة يطرحها المدراء: إجابات قصيرة وواضحة
هل يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بخسائر الكوارث بدقة 90%؟
في الواقع، 90% كرقم عام مضلل. الأفضل هو قياس الدقة حسب نوع الخطر ونطاق الزمن ومستوى التجزئة. ما يمكن تحقيقه بثبات هو تحسين كبير في فرز المطالبات وتقدير الاحتياطي مبكرًا وتقليل التباين بين المناطق.
هل هذا يعني الاستغناء عن خبراء النمذجة؟
لا. الخبراء يصبحون أكثر أهمية لأنهم يحددون: ما البيانات الصحيحة؟ ما القيود؟ وكيف تُفسّر النتائج في سياق إعادة التأمين والملاءة.
ما أكبر مخاطر تطبيق الذكاء الاصطناعي في الكوارث؟
- تحيز بيانات (مثلاً مناطق ممثلة أكثر من غيرها)
- اعتماد مفرط على صور غير كافية دون تحقق ميداني
- عدم جاهزية العمليات لتبنّي النتائج
لماذا يهم هذا الآن في الإمارات والمنطقة؟
الإجابة المباشرة: لأن فجوة الحماية (Protection Gap) تتسع عندما ترتفع قيمة الأصول أسرع من تطور أدوات تقييم المخاطر، والذكاء الاصطناعي يساعد على سد الفجوة عبر تسعير أدق ووقاية أفضل.
مع استمرار نمو المشاريع العقارية والبنية التحتية، يصبح أي حدث جوي شديد—حتى لو كان نادرًا تاريخيًا—قادرًا على خلق خسائر متسلسلة: توقف أعمال، تلف مخزون، تعطل خدمات. الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر يعطي الشركات قدرة على رؤية التركز قبل أن يتحول إلى خسارة، وعلى تحريك الموارد قبل ازدحام المطالبات.
الخطوة التالية ليست شراء منصة جديدة فقط. الخطوة التالية هي قرار إداري واضح:
- ما البيانات التي سنرفع جودتها أولًا؟
- ما القرارات التي سنبنيها على النماذج؟
- وكيف سنقيس أثر ذلك على الخسائر وزمن التسوية ورضا العملاء؟
إذا كنت تدير محفظة ممتلكات أو مطالبات أو إعادة تأمين، جرّب أن تبدأ بسؤال واحد داخل فريقك هذا الأسبوع: ما الذي لو عرفناه قبل أسبوع من الحدث كان سيغيّر قراراتنا؟ غالبًا ستجد أن الإجابة هي “بيانات + تنبؤ + تشغيل”. وهذا هو ملعب الذكاء الاصطناعي.