الذكاء الاصطناعي أصبح أداة عملية لفهم تقلب خسائر الكوارث في 2026، خصوصًا مع صعود الأخطار الثانوية والتمدّن. تعرّف على خطة عمل جاهزة للتطبيق.

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي نمذجة مخاطر الكوارث في 2026
بلغت الخسائر العالمية من الكوارث الطبيعية في العام الماضي مستوى لافتًا: نحو 60% من خسائر الكوارث الطبيعية عالميًا جاءت من “الأخطار الثانوية” مثل الفيضانات المفاجئة وحرائق الغابات والعواصف الرعدية الشديدة. هذه ليست تفصيلة جانبية. هذا تحوّل في شكل الخطر نفسه، وهو ما يجعل 2026 سنة “عدم يقين” بامتياز بالنسبة لشركات التأمين وإعادة التأمين، خصوصًا مع تسارع التمدّن وتراكم الأصول في مناطق هشّة.
في سلسلة «الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر»، أحب أن أضع الأمور بصراحة: معظم شركات التأمين لا تعاني من نقص في البيانات… بل تعاني من نقص في القدرة على ربطها بقرارات اكتتاب وتسعير وتشغيل يومية. ومع ازدياد تقلب خسائر الكوارث الطبيعية (Nat Cat)، يصبح الذكاء الاصطناعي هو الأداة العملية لإعادة ضبط البوصلة: من “نموذج جامد يُحدّث سنويًا” إلى نموذج حيّ يتعلم ويُحدّث نفسه باستمرار.
لماذا تبدو مخاطر الكوارث في 2026 أكثر تقلبًا؟
الجواب المباشر: لأن الخسائر لم تعد تُقاد فقط بأحداث كبرى نادرة (زلازل/أعاصير)، بل باتت تُقاد بشكل متزايد بأحداث متكرّرة ومحلية، مع تضخّم قيمة الأصول المُعرّضة للخطر بسبب التمدّن.
التوقع المنطقي لِـ 2026 هو استمرار نمط السنوات الأخيرة: خسائر اقتصادية عالمية أعلى من المتوسط، وخسائر مؤمَّنة تتأثر بقوة بعوامل اجتماعية-اقتصادية مثل:
- التمدّن السريع: زيادة السكان داخل المدن تعني كثافة أصول أعلى.
- تراكم القيم: عقارات، مخزون، معدات، بنية تحتية… كلها تتكدّس في مساحات أصغر.
- التوسع في البنية التحتية الحساسة: مشروعات الطاقة (ومنها الطاقة الكهرومائية) تُبنى أحيانًا في مناطق قابلة للتأثر بالمخاطر الطبيعية.
التمدّن ليس مجرد “زيادة سكان”… بل زيادة في “قيمة الخسارة المحتملة”
عندما تتضخم المدن في دول تشهد نموًا حضريًا سريعًا (مثل باكستان والهند ونيجيريا وفق ما يتكرر في تحليلات المخاطر العالمية)، لا ينتقل الناس وحدهم إلى المدن؛ تنتقل معهم سلاسل الإمداد، ومراكز البيانات، والمستودعات، والمستشفيات، والطرق والجسور.
النتيجة التأمينية واضحة: الخسارة الواحدة قد تصبح أكبر، والعدد الإجمالي للحوادث قد يصبح أكثر. وهذا خليط صعب على التسعير وإدارة رأس المال.
الأخطار الثانوية تتصدر المشهد: ماذا يعني ذلك لشركات التأمين؟
الجواب المباشر: الأخطار الثانوية ترفع “تواتر” المطالبات، وتضغط على نسب الخسارة، وتكشف ضعف النماذج التي بُنيت تاريخيًا حول أحداث كبيرة قليلة.
اعتدنا التفكير في “الأخطار الأولية” مثل الأعاصير المدارية والزلازل باعتبارها مصدر الصدمات الكبرى. ما زالت كذلك، وهي تظل قادرة على خلق خسارة واحدة ضخمة تُربك السوق. لكن التحول الأكثر إزعاجًا في 2026 هو أن الأخطار الثانوية باتت تقود جزءًا كبيرًا من الخسائر الإجمالية.
1) الفيضانات الحضرية: مشكلة قدرة استيعابية قبل أن تكون مشكلة مطر
الفيضانات في القرن الحالي تُعد من أكثر الأخطار كلفة عالميًا، ومع الأمطار الغزيرة داخل المدن يظهر نمط متكرر: تصريف غير كافٍ + سرعة تدفق عالية + بنية تصريف مُنهَكة.
المدن قد تمتلك “حماية فيضانية” على الورق، لكن عند هطول كثيف خلال ساعات قليلة، تُغمر الأنفاق والطرق السريعة والمناطق التجارية بسرعة، وتتعطل الأعمال.
ومن منظور خليجي/إماراتي، درس السنوات القريبة مؤلم وبسيط: قد تقع فيضانات كبيرة في أماكن لا تُوصف تقليديًا بأنها عالية المخاطر، ما يعني أن خرائط المخاطر القديمة وحدها لم تعد كافية.
2) حرائق الغابات: تذكير سنوي بأن الموسم قد يتغير
حرائق الغابات ليست ملفًا بعيدًا عن التأمين؛ هي اختبار مباشر لقدرتك على:
- تقدير التعرض (Exposure)
- إدارة التجميع (Accumulation)
- تسعير المخاطر الدقيقة حسب الموقع
الأعوام الأخيرة شهدت أمثلة شهيرة عالميًا (كالحرائق الشديدة في جنوب كاليفورنيا، وتجربة “الصيف الأسود” في أستراليا 2019/2020). الدرس: الحرائق يمكن أن تضرب بقوة، وبمساحات واسعة، وبسرعة انتشار تُصعّب الاستجابة.
3) العواصف الرعدية الشديدة (SCS): “القاتل الصامت” للمحافظ التأمينية
العواصف الرعدية الشديدة تخلق خسائر متراكمة: أضرار أسقف، زجاج، سيارات، توقف أعمال… وتكرارها يجعلها محركًا جديدًا للخسائر في أسواق كبرى.
بالنسبة للمكتتبين ومديري المخاطر، SCS ليست مجرد حدث طقس؛ هي مصدر مزمن لتآكل الربحية إذا لم تُدار بتسعير ديناميكي وحدود اكتتاب واضحة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من نمذجة ثابتة إلى نمذجة “تعيش” مع الواقع
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يرفع دقة نمذجة المخاطر عبر دمج بيانات المكان والزمان والسلوك الاقتصادي، ثم تحويلها إلى قرارات اكتتاب وتسعير وتخفيف مخاطر قابلة للتنفيذ.
أنا أميل لاعتبار الذكاء الاصطناعي هنا ليس “أداة تنبؤ بالمستقبل” بقدر ما هو منظومة لتحسين القرار تحت عدم اليقين. لأن مشكلة مخاطر Nat Cat ليست نقص بيانات؛ إنها:
- كثرة المتغيرات المتداخلة
- تغير التعرّض بسرعة بسبب العمران
- تغير نمط الأخطار بسبب المناخ والتقلب الطبيعي
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي عمليًا في التأمين وإدارة المخاطر؟
إليك تطبيقات ملموسة (وليست شعارات):
- نمذجة التعرض والتجميع على مستوى الحيّ: دمج بيانات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) مع بيانات المحافظ لاكتشاف “جيوب” تجميع خطيرة داخل المدينة.
- تحديث درجات المخاطر بشكل شبه لحظي: إدخال مؤشرات جديدة (توسع عمراني، تغيّر استخدام الأراضي، مشاريع بنية تحتية) لتعديل التسعير والحدود.
- تحليل سيناريوهات متعددة بدل سيناريو واحد: الذكاء الاصطناعي يساعدك على إدارة مجموعة سيناريوهات (مثل أمطار شديدة + انسداد تصريف + انقطاع كهرباء) وتقدير أثرها على المطالبات.
- تحسين دقة تقدير شدة الخسارة: عبر نماذج تتعلم من المطالبات السابقة، وخصائص المبنى، ونوع النشاط، وتاريخ الصيانة.
- إشارات إنذار مبكر لعمليات المطالبات: توقع موجات مطالبات بعد حدث معين وتوزيع الموارد تلقائيًا (فرق مسح، مراكز اتصال، مقدّري خسائر).
جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي لا يُلغي تقلب مخاطر الكوارث؛ لكنه يُقلّل “فاجأة” التقلب عبر كشف الإشارات مبكرًا.
خطة عمل من 6 خطوات: كيف تستعد شركتك لعدم يقين 2026؟
الجواب المباشر: ابدأ بتأسيس “مصدر حقيقة واحد” للبيانات، ثم انتقل إلى نماذج قابلة للتحديث، ثم اربط النتائج بقرارات الاكتتاب والمطالبات، مع حوكمة واضحة.
هذه خطة أطبق منطقها في مشاريع التحول التحليلي، وهي مناسبة لشركات التأمين في المنطقة:
- جرد بيانات التعرض: مواقع المؤمن لهم، نوع البناء، سنة الإنشاء، استخدام العقار، حدود التغطية، الاستثناءات.
- تنظيف وتوحيد العناوين (Geocoding): أي نموذج ذكاء اصطناعي سيفشل إذا كانت المواقع “تقريبية”. الدقة هنا ليست ترفًا.
- بناء طبقة GIS موحّدة: خرائط فيضانات حضرية، طبقات استخدام الأراضي، ارتفاعات، شبكات تصريف، مناطق حريق محتملة.
- تطوير نموذج مخاطر هجين: مزيج من نماذج كارثية تقليدية + تعلّم آلي يلتقط أنماط الأخطار الثانوية والتغيرات الاجتماعية-الاقتصادية.
- ربط المخرجات بالاكتتاب والتسعير: قواعد واضحة مثل رفع الخصم، تعديل الحد، اشتراط وسائل حماية، أو رفض مخاطر بعينها عند تجاوز عتبة تجميع.
- حوكمة ومراجعة دورية: لجنة مخاطر تجمع الاكتتاب والبيانات والمطالبات وإعادة التأمين لمراجعة الانحرافات شهريًا خلال مواسم الخطر.
مثال تطبيقي قريب من واقعنا
شركة تؤمّن محفظة ممتلكات تجارية داخل مدينة سريعة النمو. سابقًا كانت تُصنّف الخطر “متوسط” بناءً على تاريخ فيضانات محدود. بعد إدخال طبقات GIS (توسع عمراني + تغير مسارات الجريان السطحي + كثافة الأصول)، يكتشف النموذج أن منطقة بعينها صارت نقطة تجميع عالية.
الإجراء الذكي ليس فقط رفع السعر. الإجراء الأفضل عادةً مزيج من:
- تعديل حدود التغطية للأضرار الناتجة عن مياه الأمطار في طابق التسوية
- إلزام بخطة تصريف وصيانة دورية
- منح خصم لمن يثبت تركيب بوابات مانعة لرجوع المياه أو حساسات تسرب
هكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من لوحة معلومات جميلة إلى تغيير حقيقي في الخسائر.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي للمخاطر
هل الذكاء الاصطناعي بديل عن نماذج الكوارث التقليدية؟
لا. الأفضل هو نموذج هجين: النماذج التقليدية ممتازة في محاكاة أحداث كبرى، بينما التعلّم الآلي بارع في التقاط تعقيد الأخطار الثانوية وسلوك المطالبات.
ما أكبر خطأ عند تطبيق الذكاء الاصطناعي في نمذجة مخاطر الكوارث؟
استخدام بيانات موقع ضعيفة أو غير مكتملة، ثم توقع نتائج دقيقة. دقة العنوان وخصائص الأصل هي أساس كل شيء.
أين تظهر العوائد أسرع: الاكتتاب أم المطالبات؟
غالبًا في المطالبات والعمليات أولًا (توقع التدفقات وتوزيع الموارد)، ثم في التسعير والاكتتاب عندما تنضج البيانات وتستقر الحوكمة.
لماذا هذا مهم الآن لأسواق الخليج والإمارات؟
الجواب المباشر: لأن التوسع الحضري السريع، وتراكم الأصول عالية القيمة، وتغير نمط الهطولات الشديدة يجعل مخاطر الفيضانات الحضرية والأخطار الثانوية ملفًا ماليًا لا يمكن إدارته بالحدس.
نحن في ديسمبر 2025، ومع تخطيط 2026، الشركات التي ستفوز ليست التي تملك “تقارير أكثر”، بل التي تملك حلقة قرار أسرع: بيانات → نموذج → قرار اكتتاب/تسعير/منع خسارة → تعلّم من النتائج.
إذا كانت الكوارث الطبيعية “متقلبة بطبيعتها”، فالطريقة الوحيدة للتعامل معها هي بناء نظام يتعايش مع التقلب بدل أن يتفاجأ به.
الخطوة التالية واضحة: قيّم نضج بياناتك الجغرافية اليوم، وحدد أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلل الخسارة أو يحمي رأس المال خلال 2026. والسؤال الذي أحب أن أختم به في هذا السياق: هل نموذج مخاطر شركتك يتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها مدينتك؟