DRIVER Act يضع ملكية بيانات المركبات بيد السائق. تعرّف كيف يؤثر ذلك على التأمين بالذكاء الاصطناعي والتليماتكس وإدارة مخاطر الأساطيل.

ملكية بيانات المركبات: ما الذي يتغير للتأمين بالذكاء؟
قبل أيام، دعمت الرابطة الأمريكية لتأمينات الممتلكات والحوادث (APCIA) مشروع قانون أمريكي جديد باسم DRIVER Act يضع قاعدة بسيطة لكن آثارها كبيرة: بيانات السيارة ملك لصاحب السيارة، وليس لأي جهة أخرى. الكلام يبدو بديهيًا، لكن الواقع مختلف؛ المركبات المتصلة اليوم تُنتج سيلًا من البيانات: التليماتكس، تشخيصات المحرك، مؤشرات السلامة، وسلوك القيادة. ومن دون قواعد ملكية واضحة، تصبح هذه البيانات ورقة ضغط في سوق التأمين وإدارة المخاطر.
هذا الموضوع يهمّنا في سلسلة «الذكاء الاصطناعي في النقل والخدمات اللوجستية» لأن نفس البيانات التي تُحسن تسعير تأمين السيارات تُحسن أيضًا إدارة الأساطيل، تخطيط المسارات، وتقليل الحوادث في المدن الذكية—وهو اتجاه يتسارع في المنطقة، خصوصًا مع توسع أنظمة النقل الذكي والاتصال داخل المركبات.
الزاوية هنا ليست تشريعية بحتة. الزاوية عملية: كيف يتغيّر التأمين المعتمد على الذكاء الاصطناعي عندما تصبح الخصوصية وملكية البيانات شرطًا قانونيًا؟
لماذا أصبح “بيانات السيارة” ملفًا ساخنًا الآن؟
الجواب المباشر: لأن السيارة تحولت إلى جهاز استشعار متحرك، والبيانات صارت وقودًا للتسعير، والتحقق من المطالبات، وكشف الاحتيال.
خلال مواسم الذروة (مثل نهاية السنة والعطلات في ديسمبر 2025)، ترتفع الحركة المرورية والرحلات بين المدن، ويزداد معها احتمال الحوادث. شركات التأمين وشركات الأساطيل تبحث عن طرق أسرع لتقييم المخاطر ومعالجة المطالبات—وهنا تظهر قيمة بيانات المركبات المتصلة.
ما نوع البيانات التي نتحدث عنها؟
بيانات المركبة ليست “معلومة واحدة”، بل طبقات متعددة، أهمها:
- بيانات التليماتكس: السرعة، التسارع، الكبح المفاجئ، أوقات القيادة، أنماط الانعطاف.
- بيانات تشخيص المحرك: الأعطال، حرارة المحرك، ضغط الإطارات، مؤشرات الصيانة.
- بيانات السلامة: تفعيل الوسائد الهوائية، حساسات الاصطدام، أنظمة المساعدة على القيادة.
- بيانات الاستخدام: المسافة المقطوعة، تواتر الرحلات، فترات التوقف.
هذه البيانات يمكن أن تُستخدم لتحسين السلامة فعلًا—أو قد تُستخدم بطريقة مزعجة إن لم يكن هناك إذن واضح وحدود دقيقة لما يُجمع وما يُشارك.
DRIVER Act كنموذج: الخصوصية ليست ضد الابتكار
النقطة الأساسية في DRIVER Act كما طُرح: من حق مالك المركبة الوصول إلى بيانات سيارته والتحكم فيها، مع سياسات شفافة حول جمع البيانات وتخزينها ومشاركتها.
هذا يعني أن شركات تصنيع السيارات (والمنصات المرتبطة بها) ستكون مطالبة بتوفير وصول غير معاق للمستهلك إلى بياناته، وبشكل يقلل فرص الاستخدام غير المصرح به—بما في ذلك مخاطر إساءة الاستخدام من أطراف ثالثة أو جهات خارجية.
عبارة يمكن اقتباسها بسهولة: عندما تُحسم ملكية البيانات لصالح السائق، يصبح الذكاء الاصطناعي “أكثر عدلًا” لأنه يتعلم من بيانات مُصرّح بها لا من بيانات مُلتقطة بالالتفاف.
كيف ينعكس ذلك على سوق التأمين؟
DRIVER Act لا يفرض على المستهلك مشاركة بياناته مع شركة التأمين، لكنه يضع إطارًا يجعل المشاركة:
- اختيارية ومفهومة (ما الذي سيُجمع؟ ولماذا؟)
- قابلة للإدارة (إيقاف المشاركة أو تغييرها)
- أكثر أمانًا (ضوابط أمن سيبراني وشفافية)
بالنسبة للتأمين، هذه ليست “عقبة”. هذه تنظيف للسوق: يقل فيها الالتباس القانوني، وتتحسن الثقة، وتصبح برامج التأمين المعتمد على الاستخدام أكثر قابلية للنمو.
التأمين المعتمد على الاستخدام والذكاء الاصطناعي: ماذا سيتغير فعليًا؟
الإجابة المباشرة: سيتغير مصدر البيانات، وطريقة الموافقة، وتصميم النماذج.
العديد من شركات التأمين اليوم تعتمد على:
- جهاز تليماتكس يُركّب في السيارة
- تطبيق هاتف ذكي
- أو بيانات السيارة المتصلة مباشرة من المنصّة
مع تشريعات ملكية البيانات، يتوقع أن يصبح تصميم برامج UBI أكثر “انضباطًا” في ثلاثة جوانب:
1) موافقة واضحة بدل “موافقة مدفونة في الشروط”
الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات كثيرة، لكن شركات التأمين ستحتاج آلية موافقة تشبه لوحة تحكم:
- أنواع البيانات المسموح جمعها (سلوك قيادة فقط؟ أم تشخيصات؟)
- مدة الاحتفاظ بالبيانات
- من يمكنه الوصول إليها داخل الشركة
2) نماذج أقل اعتمادًا على البيانات “الحساسة”
ليست كل البيانات متساوية في الحساسية. الموقع اللحظي مثلًا شديد الحساسية، بينما عدد مرات الكبح المفاجئ أقل حساسية.
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي المسؤول:
- بناء نماذج تسعير تعتمد على مؤشرات سلوكية مختصرة بدل تتبع كامل.
- تقليل البيانات إلى سمات (Features) كافية للتنبؤ دون كشف تفاصيل خاصة.
3) تدقيق قابل للتفسير (Explainability)
عندما يقول نموذج التسعير: “قسطك أعلى”، سيطالب العميل بسبب مفهوم. والجهات الرقابية ستطالب بمنطق يمكن مراجعته.
عمليًا، هذا يدفع الشركات لاستخدام:
- تقارير تفسير القرار
- اختبارات تحيز (Bias Testing)
- سجلات تدقيق (Audit Logs) لرحلة البيانات من المصدر حتى القرار
مثال عملي: كيف تستفيد شركات الأساطيل واللوجستيات دون خرق الخصوصية؟
في النقل والخدمات اللوجستية، الهدف ليس “معرفة أين كان السائق في كل ثانية”، بل خفض الحوادث، تقليل التوقفات غير المخطط لها، وضبط سلوك القيادة.
سيناريو واقعي لشركة توصيل داخل مدينة كبيرة:
- تعتمد الشركة على مركبات متصلة.
- تستخدم التأمين التجاري لأسطولها، وتريد تخفيض الأقساط.
بدل مشاركة موقع تفصيلي ومسارات كاملة، يمكن مشاركة حزمة بيانات “مجمّعة” تدعم الذكاء الاصطناعي في التأمين وإدارة المخاطر:
- معدل الكبح المفاجئ لكل 100 كم
- نسبة القيادة الليلية من إجمالي الساعات
- عدد تنبيهات تعب السائق (إن وجدت) بدون تخزين فيديو أو صوت
- مؤشرات صيانة استباقية (ضغط الإطارات، حرارة المحرك) كقيم دورية
النتيجة:
- شركة التأمين تحصل على بيانات كافية لتقييم المخاطر وتسعير أكثر دقة.
- شركة الأسطول تحافظ على خصوصية العاملين وتقلل حساسيات المراقبة.
- النموذج يتعلم من بيانات “نظيفة قانونيًا” وتقل مخاطر النزاعات.
إدارة المخاطر والامتثال: قائمة تنفيذية لشركات التأمين
الجواب المباشر: إذا كنت تبني أو تشغّل نماذج ذكاء اصطناعي تعتمد على بيانات مركبات، فالأولوية ليست “نموذج أدق” فقط، بل حوكمة بيانات تمنع توقف المشروع بسبب شكوى أو تسريب.
إليك ما أنصح به كخطوات عملية قابلة للتنفيذ خلال 30–90 يومًا:
1) خريطة بيانات (Data Map) للمركبات المتصلة
- ما الذي نجمعه؟
- من أين؟ (مصنّع، تطبيق، جهاز)
- أين يُخزن؟
- من يطلع عليه؟
2) طبّق مبدأ تقليل البيانات (Data Minimization)
هدف ممتاز: اجمع أقل قدر يحقق الغرض التأميني.
- للتسعير: سلوك قيادة مجمّع قد يكون كافيًا.
- للمطالبات: بيانات حادث محددة بالوقت (Event-based) بدل بث مستمر.
3) بنية موافقات مرنة
- موافقة مفصلة حسب نوع البيانات
- إمكانية سحب الموافقة
- إشعارات تغيير السياسة
4) أمن سيبراني مخصص للتليماتكس
- تشفير أثناء النقل والتخزين
- فصل بيئات التطوير عن الإنتاج
- اختبار اختراق دوري على واجهات البيانات (APIs)
5) حوكمة نماذج الذكاء الاصطناعي
- سجل إصدار لكل نموذج
- توثيق السمات المستخدمة
- مراقبة انحراف البيانات (Data Drift)
- آلية اعتراض/مراجعة بشرية للقرارات الحساسة
أسئلة تتكرر في السوق (وإجابات مختصرة)
هل قوانين ملكية البيانات ستوقف التأمين المعتمد على الاستخدام؟
لا. لكنها ستفرض أن يكون البرنامج قائمًا على موافقة واضحة وبيانات أقل حساسية، وهذا يحسن الاستدامة.
هل الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات شخصية لكي يعمل جيدًا؟
ليس دائمًا. كثير من نماذج المخاطر تعمل بكفاءة باستخدام مؤشرات سلوكية دون تتبع تفصيلي للموقع أو الروتين اليومي.
ما الفائدة للمطالبات وكشف الاحتيال؟
البيانات اللحظية عند الحادث (مثل تفعيل الوسائد الهوائية أو قوة الاصطدام) تُسرّع التحقق، وتقلل الاحتيال، وتختصر زمن التسوية—لكن بشرط حوكمة قوية.
ما الذي يجب أن تفعله الآن: فرصة قبل أن تصبح ضرورة
مشروع DRIVER Act مثال أمريكي، لكنه يعكس اتجاهًا عالميًا: الخصوصية تتقدم، والبيانات لن تبقى “مباحة” لمجرد أنها موجودة. وأي شركة تأمين أو شركة أساطيل في المنطقة تبني حلول ذكاء اصطناعي للنقل الذكي ستواجه نفس الأسئلة: من يملك البيانات؟ كيف أُثبت الموافقة؟ وكيف أُوازن بين الدقة والخصوصية؟
إذا كنت تعمل في التأمين، ابدأ بمراجعة برامج التليماتكس لديك كما لو أن “ملكية البيانات” ستصبح شرطًا صريحًا غدًا. وإذا كنت تدير أسطولًا، اطلب من مزودي التقنية تقارير واضحة: ما الذي يجمعونه، ولماذا، وكيف تحذف البيانات عند الطلب.
السؤال الذي سيحسم المنافسة في 2026 ليس: من لديه بيانات أكثر؟ بل: من يستطيع بناء ذكاء اصطناعي يحقق نتائج أفضل ببيانات أقل، وبثقة أعلى؟